لم يعد يخفى على أحد حجم التناقض الساخر والمشهد العبثي للتعامل الإيراني مع تطورات الأزمة الأخيرة، إذ برز البون شاسعاً بين الأقوال والأفعال حيث تقر إيران بالهدنة والمفاوضات ووقف الحرب في الصباح، وتستمر في إطلاق الصواريخ والمسيرات في المساء، وهذا دأبها في إدارة كل أزماتها القناع يناقض مع الحقيقة، إلا أن دولنا الخليجية - والحمد لله - قد من الله عليها بقيادات لديها من الخبرة والحنكة السياسية ما يجعلها كاشفة لكل السيناريوهات، وقارئة لكل السلوكيات الإيرانية، ولذا كان لدينا الجاهزية الكاملة للتعامل مع كل فعل يستهدف استقرار المنطقة وما نجاحات قوة دفاع البحرين وسلاح الجو الملكي في التصدي لكل الصواريخ والمسيرات ما هو إلا دليل إضافي يبرهن على ذلك.
لقد برزت السياسة البحرينية في إدارة الأزمة كنموذج رصين يُحتذى به في إدارة الأزمات الإقليمية. لطالما كانت المنامة، بحكم موقعها الجغرافي الحساس وعمقها السياسي، هي خط الدفاع الأول في هذه الأزمة، حيث تعاملت البحرين باحترافية وجاهزية عسكرية في صد أي اعتداءات مع الاحتفاظ بحقها في الدفاع عن نفسها بالأسلوب الذي تراه مناسباً لها إعمالاً لنصوص الأمم المتحدة والقانون الدولي، هذا إلى جانب الإدارة الدبلوماسية للأزمة حيث شهد العالم أن البحرين قدمت نموذجا في الحكمة السياسية والتي لا تعني التردد، أو التنازل مستخدمة حقها المشروع في تدويل القضية وفضح الاعتداءات الإيرانية في المحافل السياسية الدولية، وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة عبر خطابات وكلمات سياسية قوية لوزير خارجيتها ومندوبها في مجلس الأمن واضعة المجلس وأعضائه أمام واجباتهم في حفظ أمن البحرين، وكل دول مجلس التعاون الخليجي، تأكيداً لمصداقية المجلس وما يخرج عنه من قرارات دولية، حتى لا تظل قراراته حبراً على ورق، دون أن تدخل حيز التنفيذ.
وعلى الجانب الآخر ما زالت إيران للأسف مستمرة في إطلاق الصواريخ والمسيرات التي تستهدف أمن البحرين واستقرارها، بما يتناقض مع سياسات حسن الجوار وعدم تهديد الدول بالأساليب العسكرية، وهو ما يتناقض تماماً مع نص المادة 2 (الفقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية.
ومن ناحية أوسع تواجه المنطقة معضلة بنيوية فمن جهة، تقدم طهران مبادرات دبلوماسية ناعمة ورسائل تهدئة متبادلة مع العواصم الخليجية، ومن جهة أخرى، تظل الأذرع العسكرية والميليشيات في الميدان (سواء في البحر الأحمر أو عبر الحدود العراقية) تحتفظ بقدرتها على تحريك وتيرة التصعيد سعياً لمزيد من الضغط وتغيير قواعد اللعبة في الممرات المائية الحيوية.
لقد رسخ الموقف البحريني حقيقة إن أمن الخليج العربي وملاحة الممرات الدولية الحيوية نقطة الارتكاز، ولا يمكن أن يخضعا لمناورات الوكلاء، لذلك بادرت السياسة الخارجية للمملكة بالتعاون مع الأشقاء لصياغة استراتيجية ردع متكاملة، حيث نجح هذا التعاون في تكوين منظومة خليجية متكاملة حمت دول الخليج العربي من الاعتداءات، وحافظت على استقرار وأمن التراب الوطني الخليجي.
إن تعامل دول مجلس التعاون الخليجي مع الأزمة بهذا الرشد والحكمة السياسية، يوجب على إيران تحويل الكلام إلى سلوك فعلي، وتلزمها بالتهدئة الحقيقية التي تترجم في الالتزام بكف الأذى والاعتداء بالصواريخ والمسيرات على دول الجوار.
* دكتوراه في الإعلام الرقمي