بقلم: د. أحمد حسين إبراهيم


إن لم تكن قادراً على العناية بذاتك بشكل جيد، فكيفص يمكن الوثوق بأنك قادر على تجاوز تحديات الحياة أو تحقيق إنتاجية في مجتمع ينتظر منك الأداء والعطاء؟

يأخذنا هذا التساؤل إلى صلب الموضوع: العناية بالذات أو العناية الذاتية، كيف نقرأ هذا المفهوم؟ كيف اتجه العالم للاهتمام بممارسات العناية الذاتية؟

ومن جانب آخر، كيف يمكن استغلال الاحتفال باليوم الدولي للعناية الذاتية لتحقيق الأثر الإيجابي المستدام من المستوى الفردي إلى مستوى الأنظمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية؟

بدايةً، لنأخذ لمحة على المؤسسات العالمية المهتمة برعاية الذات. تأسس في عام 1970 الاتحاد العالمي للرعاية الذاتية، والذي كان يُعرف في الأصل باسم الاتحاد العالمي لصناعة الأدوية ذاتية الاستخدام.

وأعيدت تسمية المنظمة إلى اسمها الحالي «الاتحاد العالمي للرعاية الذاتية» في عام 2019، ليعكس توجهاً أوسع وأكثر حداثة يركز على الصحة العامة الشاملة، وحلول إدارة الرعاية الذاتية، وتعزيز العافية الاستباقية.

ويعمل الاتحاد كمنظمة دولية غير حكومية بارزة، ومقره بالقرب من جنيف في سويسرا، ويملك علاقات رسمية مع منظمة الصحة العالمية لتطوير وتعزيز سياسات الرعاية الذاتية في أنحاء العالم.

كما يمكن الإشارة إلى مؤسسة دولية أخرى هي المؤسسة الدولية للرعاية الذاتية، التي تأسست في المملكة المتحدة عام 2011 كمؤسسة دولية مستقلة غير ربحية، معلنة التزامها بنشر مفهوم الرعاية الذاتية وتعزيز ممارساته عالمياً.

وقد حرصت المؤسسة على أن يكون لها فرع تشغيلي في الولايات المتحدة (ولاية كولورادو)، إضافة إلى فرع مستقل كمنظمة شقيقة في هونغ كونغ.

يُذكر أن منظمة الصحة العالمية أعلنت في عام 2019 عن «شهر الرعاية الذاتية»، الذي يبدأ في 24 يونيو وينتهي في 24 يوليو، بالتزامن مع اليوم العالمي للرعاية الذاتية. وقد كان الهدف إتاحة الفرصة لتسليط الضوء على المبادرات الإقليمية والوطنية التي تقوم بها منظمة الصحة العالمية وشركاؤها لدعم أهداف التغطية الصحية الشاملة.

كما دشّنت المنظمة دليلاً توجيهياً حول تدخلات الرعاية الذاتية للصحة والعافية (محدّثاً بعام 2022)، بما يمثل تحولاً جذرياً في مسار الصحة العامة العالمية، إذ لم تعد الصحة تُنظر إليها فقط من خلال منظور «مقدم الخدمة والمريض» التقليدي، بل تم إبراز الرعاية الذاتية باعتبارها عنصراً حيوياً وركيزة أساسية في منظومة الرعاية الصحية الرسمية.

وهي لا تأتي كبديل عنها، بل كشريك أساسي مكمل لها.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الرعاية الذاتية هي حجر الأساس للصحة العامة، إذ يُقدّر أن ما بين 70% إلى 95% من الأمراض اليومية يتم التعامل معها وإدارتها دون تدخل طبي مباشر.

وفي ظل تحدٍ عالمي مستمر يتمثل في كفاية المتخصصين الصحيين، وضغوط متزايدة للأمراض المزمنة، تصبح إدارة الصحة الشخصية مورداً صحياً مهماً غير مستغل بالشكل الكافي.

تلتزم منظمة الصحة العالمية بتعريفها التأسيسي للرعاية الذاتية، وهو: «قدرة الأفراد والأسر والمجتمعات المحلية على تعزيز الصحة، والوقاية من الأمراض، والحفاظ على الصحة، والتعامل مع المرض والإعاقة بدعم من عامل صحي أو بدونه».

أما تدخلات الرعاية الذاتية، فهي الأدوات المحددة والمضمونة الجودة والقائمة على الأدلة العلمية، بما في ذلك الأدوية، والأجهزة، والمستلزمات التشخيصية، والتقنيات الرقمية، والتي يمكن الوصول إليها كلياً أو جزئياً خارج نطاق المرافق الطبية الرسمية، كما يمكن استخدامها مع أو بدون الإشراف المباشر من العاملين في الرعاية الصحية.

وفي إطار متصل، طوّرت المؤسسة الدولية للرعاية الذاتية الركائز السبع للرعاية الذاتية في إطار شامل يتمحور حولها.

وتتمثل الركائز في:

1. المعرفة والوعي الصحي: وتعكس القدرة على الحصول على المعلومات الصحية الأساسية وفهمها لاتخاذ قرارات حياتية سليمة.

2. السلامة النفسية والوعي الذاتي: وتتطلب التركيز على الصحة النفسية، والاستماع للجسد، ومراقبة المؤشرات الحيوية الشخصية.

3. النشاط البدني: ويعتمد على ممارسة التمارين الرياضية المنتظمة وبالطرق الصحيحة والمستدامة.

4. النظام الغذائي: من حيث كونه مغذياً ومتوازناً، مع تنظيم السعرات الحرارية.

5. تجنب المخاطر أو الحد منها: كالابتعاد عن العادات السلبية (مثل: الإقلاع عن التدخين، والسياقة بأمان، والالتزام بأخذ اللقاحات.

6. النظافة العامة والشخصية: وتشمل ممارسة الإجراءات الوقائية الأساسية والمنتظمة مثل العناية بالأسنان والإعداد الآمن للأطعمة.

7. الاستخدام العقلاني للمنتجات والخدمات الصحية: عبر الاستخدام المسؤول والآمن للأدوية التي تُصرف دون وصفة طبية، والتحاليل التشخيصية والسعي بحكمة للخيارات العلاجية المتاحة.

وبناءً عليه، تتجه المؤسسات المهتمة برعاية الذات إلى تمكين الأفراد من إدارة سلامتهم البدنية والنفسية، وتشجيع أنماط الحياة الإيجابية والصحية للمساهمة في تحقيق جودة حياة أعلى.

على أن ينعكس ذلك في تقليل العبء العالمي للأمراض المزمنة غير المعدية، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي على الصحة العامة.

وفي هذا الصدد يكون السؤال: ما المقومات التشريعية التي تعزز عالمياً مساعي هذه المؤسسات في رسالتها وأهدافها واحتفالاتها باليوم العالمي للرعاية الذاتية؟

من أبرزها قرار مجلس الشيوخ الأمريكي رقم 515 الصادر عن الكونغرس الـ 113 في عام 2014. إذ مثّل خطوة محورية منحت «اليوم العالمي للرعاية الذاتية» اعترافاً سياسياَ ودولياً رفيع المستوى.

وينص القرار على دعم أهداف وغايات اليوم العالمي للرعاية الذاتية في 24 يوليو، مع الاعتراف بأهمية الرعاية الذاتية كأداة أساسية للحفاظ على صحة الأفراد وتخفيف الضغط المالي عن نظم الرعاية الصحية، من خلال خفض تكاليف الرعاية الصحية العامة والحد من الزيارات غير الضرورية لعيادات الطوارئ والمستشفيات.

وتبنى القرار المفهوم الرمزي الذي أطلقته المؤسسة الدولية للرعاية الذاتية، إذ إن الرعاية الذاتية ليست حدثاً عابراَ، بل ممارسة مستدامة على مدار الساعة (24 ساعة في اليوم) وطوال الأسبوع (7 أيام في الأسبوع). ومن هنا جاء اختيار يوم 24 يوليو كيوم عالمي للاحتفال بالرعاية الذاتية.

ومن المهم أن يمثل الاحتفال بهذا اليوم دعوةً صريحة لصنّاع السياسات الصحية إلى تبني استراتيجيات تدعم «التمكين الصحي الذاتي» للمجتمعات، وللمراكز البحثية والباحثين لجذب الانتباه إلى إنشاء اقتصاد معرفة بحثي يستند إلى موضوعات الرعاية الذاتية ومنهجيات إدماجها في النظم الصحية وتطبيق أدوات قياس معيارية على فئات المجتمع الأكثر عرضة للمخاطر.

كما يمثل هذا اليوم دعوة حقيقية لمقدمي الرعاية الصحية إلى اتباع أفضل الممارسات الداعمة لأهداف الرعاية الذاتية، ودعوة لمنظمات المجتمع المدني إلى تدشين مبادرات داعمة للصحة والوقاية، ولا سيما بالتزامن مع اليوم العالمي للرعاية الذاتية.

كذلك يمثل الاحتفال بهذا اليوم فرصة سانحة لإشراك الشركات وأصحاب العمل في تشجيع الرعاية الذاتية بالتعاون مع الجهات الصحية، بما يعزز إنتاجية الأفراد وجودة حياتهم.

* الأمين المالي في جمعية أصدقاء الصحة