إن القرارات التي تحدد ما إذا كان المشروع التجريبي للذكاء الاصطناعي (AI Pilot) سينتقل بنجاح إلى مرحلة التشغيل الفعلي تُتخذ قبل بدء المشروع، وليس أثناء تنفيذه. فصحيح أن اتخاذ جميع القرارات الستة بالشكل الصحيح لا يضمن النجاح الكامل، إلا أن إغفال أيٍ منها يزيد بشكل كبير من احتمالية تعثر المشروع وعدم انتقاله إلى بيئة الإنتاج.
وقبل اتخاذ هذه القرارات، تستفيد معظم المؤسسات من إجراء تقييم جاهزية الذكاء الاصطناعي (AI Readiness Assessment)، والذي يحدد الوضع الفعلي للمؤسسة من حيث جودة البيانات، وكفاءة العمليات، وجاهزية الكفاءات البشرية. فالمشروعات التجريبية التي تُنفذ دون هذا التقييم غالباً ما تواجه مشكلات في البيانات والتكامل كان من الممكن التنبؤ بها ومعالجتها مسبقاً.
1. تحديد النتائج المرجوة قبل اختيار القدرات التقنية:قبل اختيار التقنية أو المزود أو حتى حالة الاستخدام، ينبغي تحديد النتيجة التجارية أو التشغيلية التي يستهدف المشروع تحقيقها. ويجب أن تُقاس هذه النتيجة بمؤشرات أداء تشغيلية واضحة، مثل تقليل زمن إنجاز العمليات، أو خفض نسبة الأخطاء، أو زيادة حجم الإنتاجية، أو أي مؤشر أداء يتم قياسه بالفعل، ويمكن مقارنة نتائجه قبل المشروع وبعده.
فعبارة "النظام يعمل كما هو مصمم” لا تُعد معياراً للنجاح، بينما يُعد معياراً واضحاً أن "ينخفض متوسط دورة معالجة الفواتير من أربعة أيام إلى أقل من 24 ساعة خلال 90 يوماً من بدء التشغيل الفعلي».
ويكمن الفرق في عنصر المساءلة؛ فعندما يُعرّف النجاح بلغة الأعمال، يصبح تصميم المشروع شاملاً للتغييرات المطلوبة في سير العمل، وإتاحة البيانات، وإدارة التغيير لتحقيق تلك النتائج. أما عندما يقتصر تعريف النجاح على الجوانب التقنية، فإن المتطلبات التنظيمية تُؤجل غالباً إلى مراحل متأخرة، مما يضعف فرص نجاح المشروع.
2. تقييم جاهزية البيانات قبل اختيار حالة الاستخدام:تتوقع مؤسسة Gartner أن تتخلى المؤسسات عن نحو 60% من مشاريع الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2026 بسبب عدم توافر بيانات مؤهلة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. وأفضل وسيلة لتجنب هذا السيناريو هي تقييم جاهزية البيانات قبل اختيار حالة الاستخدام، وليس بعد ذلك.
ويجيب تقييم جاهزية البيانات عن ثلاثة أسئلة رئيسية:- هل البيانات المطلوبة متاحة، ونظيفة، ومنظمة بطريقة تسمح لأنظمة الذكاء الاصطناعي بمعالجتها؟- هل توجد قيود تتعلق بملكية البيانات، أو صلاحيات الوصول إليها، أو متطلبات الامتثال قد تعيق تشغيل النظام على نطاق واسع؟- ما هي آليات حوكمة البيانات التي ستضمن الحفاظ على جودة البيانات بعد بدء التشغيل؟وأي حالة استخدام لا تجتاز هذا التقييم ينبغي عدم البدء بها بصيغتها الحالية، مهما كانت أهميتها الاستراتيجية.ومن الناحية العملية، قد يؤدي ذلك إلى تأجيل بعض حالات الاستخدام التي تبدو جذابة، في حين تُمنح الأولوية لحالات أخرى أقل إثارة ولكنها تعتمد على بيانات عالية الجودة ومنظمة. ويُعد هذا القرار صحيحاً، لأن حالة استخدام بسيطة ذات بيانات موثوقة تحقق نتائج أفضل بكثير من مشروع استراتيجي يعاني من مشكلات في جودة البيانات وحوكمتها.
3. اختيار حالات الاستخدام المناسبة للمشروع التجريبي:تتميز حالة الاستخدام المناسبة لتنفيذ مشروع تجريبي في الذكاء الاصطناعي بأربع خصائص رئيسية:- أن تكون العملية متكررة بما يكفي وتعتمد على قواعد واضحة، بحيث يستطيع الذكاء الاصطناعي أتمتتها أو تحسينها بصورة فعالة.- أن تعتمد على بيانات اجتازت تقييم الجاهزية.- أن تمتلك مؤشرات أداء واضحة يمكن قياسها قبل التطبيق وبعده.- أن تكون آثار الإخفاق قابلة للاحتواء، بحيث يمكن العودة إلى الإجراءات اليدوية دون التأثير بصورة جوهرية على سير الأعمال.
وتقع العديد من المؤسسات في خطأ البدء بأكثر العمليات تعقيداً وظهوراً، اعتقاداً منها أن ذلك سيحقق أكبر عائد استثماري. إلا أن هذا التوجه غالباً ما يكون غير عملي، لأن العمليات المعقدة تتضمن متغيرات كثيرة تجعل من الصعب التمييز بين المشكلات التنظيمية والقيود التقنية.
أما البدء بعمليات أبسط وأكثر تكراراً، فيوفر نتائج أوضح، ويساعد المؤسسة على بناء الخبرات والقدرات التنظيمية اللازمة لتنفيذ مشاريع أكثر تعقيداً مستقبلاً.
4. تصميم المشروع التجريبي لاختبار نموذج التشغيل، وليس التقنية فقطمن أهم القرارات المؤثرة في نجاح المشروع التجريبي تحديد ما الذي سيتم اختباره فعلياً.فاختبار التقنية يقتصر على التأكد من أن نظام الذكاء الاصطناعي يعمل بالشكل المطلوب ضمن بيئة اختبار خاضعة للسيطرة.
أما اختبار نموذج التشغيل (Operating Model Test) فيقيس قدرة المؤسسة على تشغيل النظام داخل بيئة العمل الحقيقية، باستخدام بيانات فعلية، ومستخدمين حقيقيين، وتحت ظروف التشغيل اليومية.ويتضمن هذا النوع من الاختبارات عناصر لا تغطيها الاختبارات التقنية التقليدية، مثل:- تدريب المستخدمين ودعم تبني النظام.- دمج النظام مع إجراءات التقارير والرقابة الحالية.- وضع آليات واضحة للتعامل مع الأخطاء أو المخرجات غير المتوقعة.- مراقبة الأداء بشكل مستمر وربطه بمؤشرات الأعمال التي تم تحديدها قبل بدء المشروع.
5. دمج إدارة التغيير ضمن نطاق المشروع منذ البدايةلا تقتصر إدارة التغيير على إعداد خطة للتواصل مع الموظفين، بل تمثل مجموعة متكاملة من الأنشطة المنظمة التي تضمن نجاح تبني الحل الجديد داخل المؤسسة.وفي مشاريع الذكاء الاصطناعي، تشمل إدارة التغيير:- تمكين المستخدمين النهائيين من فهم آلية العمل الجديدة والتعامل معها بكفاءة.- توضيح المسؤوليات الجديدة للمديرين فيما يتعلق بالإشراف والرقابة على النظام.- إنشاء آلية واضحة لجمع ملاحظات المستخدمين أثناء تنفيذ المشروع التجريبي، وتحليلها، واتخاذ الإجراءات المناسبة لتحسين الأداء بصورة مستمرة طوال فترة التجربة.