أصدرت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بالأمس تقريراً هاماً بشأن العدوان الإيراني على بلادنا، تقرير تضمن أرقاماً وتواريخ ووقائع موثقة يصعب أن يطويها النسيان؛ لأن كل رقم فيها أثر في حياتنا بشكل كبير.
وثق التقرير ثلاث حالات وفاة. الأولى لعامل آسيوي توفي في 2 مارس 2026 إثر سقوط شظايا صاروخ على سفينة تحت الصيانة في مدينة سلمان الصناعية، وأصيب في الحادثة شخصان. والثانية استشهاد شابة بحرينية تبلغ 29 عاماً، فقدت حياتها في 10 مارس بعد استهداف مبنى سكني في المنامة، بالتزامن مع إصابة ثمانية مواطنين ومقيمين. أما الحالة الثالثة، فهي استشهاد أحد المتعاقدين المدنيين العاملين لدى القوات المسلحة الإماراتية الشقيقة في 24 مارس، أثناء تأدية واجبه عقب استهداف البحرين بالصواريخ والمسيرات، مع إصابة عدد من منتسبي قوة دفاع البحرين وعناصر من القوات المسلحة الإماراتية الشقيقة.
أيضاً التقرير وثق أكثر من خمسين إصابة. ففي 8 مارس أصيب أربعة مواطنين ومقيمين إثر سقوط شظايا صاروخ قرب جامعة ومحال تجارية ومحطة لتحلية المياه في المحرق. وفي 9 مارس أصيب 32 مدنياً في سترة بعد استهداف طائرات مسيرة لمباني سكنية، وتراوحت أعمارهم بين رضيع لم يتجاوز الشهرين وشخص يبلغ 45 عاماً. وبعض الإصابات كانت بالغة، واستدعت تدخلات جراحية عاجلة، وكان من بين المصابين أطفال.
وفي 4 أبريل أصيب شخصان في سترة، وفي 11 يونيو أصيبت طفلة تبلغ 11 عاماً، بالتزامن مع احتراق مركبات ومبانٍ ومنازل في مدينتي حمد والمنامة. وسجلت أيضاً إصابات طفيفة في حوادث استهداف منشآت صناعية، من بينها منشآت شركة ألبا.
لم تقتصر الاعتداءات على الأفراد، بل طالت أعياناً مدنية ومنشآت حيوية، طالت سفينة في مدينة سلمان الصناعية، ومباني سكنية في سترة والمنامة، وجامعة ومحال تجارية ومحطة تحلية، إلى جانب منشآت ألبا وبابكو وجيبك ومستودعات صناعية ونفطية.
منشأة جيبك استهدفت مرتين، في 12 أبريل و14 مايو، وامتدت الأضرار إلى منشآت ومؤسسات في مجمع 619 السكني المجاور، مع مخاطر تسرب غاز الأمونيا، ما كاد يتسبب بكارثة كيمائية تقتل الناس. وبسبب خطورة الموقف، جرى إخلاء وحدات سكنية ومؤسسات ومنشآت تجارية ضمن دائرة تأثير نصف قطرها كيلومتران. كما أجلت الجهات المختصة عدداً من الأهالي في الحد وعراد وقلالي وسماهيج، وطلبت من السكان إغلاق النوافذ وفتحات التهوية لتجنب دخان حريق نجم عن استهداف منشأة نفطية.
واتسعت الأضرار لتشمل المنازل والمركبات والمصالح التجارية. وهنا نجد التدخل الفوري عبر أمر صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله بتعويض المواطنين المتضررين وإصلاح بيوتهم. كما أقر صندوق العمل ”تمكين" منحاً وتمويلات استفادت منها نحو 7250 شركة، دعماً للسيولة واستمرارية الأعمال وحماية الوظائف ومصادر الرزق.
استهداف المجال الجوي ومطار البحرين الدولي أدى إلى تعطيل حركة الطيران وسلاسل الإمداد الطبي لفترات متقطعة، وامتدت الاعتداءات إلى الفضاء الرقمي والبنية التحتية الإلكترونية للخدمات الحكومية.
في مقابل كل هذا، كانت دولتنا الغالية حاضرة بكل مؤسساتها، حاضرة بصورة مسؤولة ومشرفة؛ فتولت قوة دفاع البحرين حماية الوطن، وكذلك الحرس الوطني، وعملت وزارة الداخلية والدفاع المدني على تأمين المناطق والإجلاء الوقائي، واستقبلت المستشفيات المصابين وقدمت لهم العلاج والتدخلات الجراحية، وفتحت مراكز الإيواء للأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها، إلى جانب تعويض المتضررين ودعم آلاف المؤسسات.
هذا التقرير يجب أن يكون جزءاً من الذاكرة الوطنية، وأن نستند إلى أرقامه ووقائعه في مخاطبة العالم، وأن نعرف أجيالنا وأبناءنا بما تعرضت له بلادهم الغالية.
لكن هناك ما لا يمكن أن تحصيه الإحصائيات، وأتحدث هنا عن الضرر النفسي العميق الذي سيبقى في الذاكرة للأبد. خوف طفل استيقظ على انفجار، وقلق أم على أبنائها، وصدمة أسرة أجبرت على مغادرة منزلها، وألم مواطن رأى ممتلكاته تحترق، وغضب دولة وشعب على ما تتعرض لهم بلادهم الآمنة.
يمكن إصلاح المباني وتعويض كل الأضرار المادية، لكن استعادة الشعور بالأمان يحتاج إلى وقت ورعاية نفسية واجتماعية. فالأضرار النفسية أحد أثقل آثار العدوان وأطولها بقاء في حياة الناس، والبحرين وترابها الطاهر الغالي وأهلها الطيبين لم يشهدوا مثل هذا العدوان من قبل.
اللهم احفظ البحرين وجميع أهلنا في دول الخليج العربي، وشل يد المعتدي واكتب قرب زوال هذا النظام الإيراني الإرهابي.