نصف قرن، ونحن نقول للعالم إن مَن يجاورنا ليس دولة طبيعية، إنهم إرهابيون، نصف قرن ونحن نعاني من شرهم، ولم نرد عليهم إلا بحسن الجوار وأقصى ما فعلناه شكوى وتنديداً واستنكاراً، نصف قرن ونحن نحاول أن نقنع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بأن هذا نظام لا يمكن احتواؤه، فلا تمنحوه الفرصة تلو الأخرى، إنه يتمدد وأنتم تتغاضون عنه.
نصف قرن أرسل لنا هذا النظام المتفجرات والقنابل والأسلحة والإرهابيين والقتلة والمجرمين، ونحن نكتفي بطرد سفرائه وبتحصين جبهاتنا الداخلية قدر استطاعتنا، والإدارات الأمريكية لا تريد أن تساعدنا على وقفه عند حده، بالرغم من كوننا حليفاً استراتيجياً.
المفارقة أنه خلال هذه الفترة كانت الإدارات الأمريكية وأوروبا تسير في خطها عملوا على احتواء إيران والاستفادة منها على حساب أمننا، وكنا نقول إن تلك الإدارات متآمرة مع إيران ضدنا، وتلك حقيقة فما فعلته إدارة أوباما مثلاً كان كذلك، وتقوم به بريطانيا بعدم اعترافها بإرهابية الحوثي والحرس الثوري الإيراني كانوا يعملون ضد مصالحنا.
الآن.. جاء ترامب.. أتى رئيس له حسابات مختلفة، هذا الرئيس قرر أن النظام الإيراني نظام مارق إرهابي، وبدأ فعلاً بمواجهته، وأعلن منذ اليوم الأول أن إدارة الديمقراطيين وحتى الجمهوريين الذين سبقوه أخطؤوا في منح النظام الإيراني الفرصة تلو الأخرى، وتصديق أنه نظام يمكن احتواؤه، وسواء كان نتنياهو الذي أقنعه، أو رغبته في قطع الطريق على تمدد النفوذ الصيني، وأياً كانت الأسباب، إلا أنه وللمرة الأولى من بعد الحرب العراقية الإيرانية تُقصف إيران، وتُدك دكاً، بشكل أعادها عقوداً زمنية إلى الوراء، وتم الضغط والقضاء على أذرعها في المنطقة، ولأول مرة يواجه المشروع الإيراني بقوة لا قِبَلَ لها بها، فالمواجهة ليست مع النظام، بل مع مشروعه وتلك حكاية أخرى.
فماذا يقول المتشائمون تلك الفئة التي لا تريد أن ترى إلا السواد في كل شيء.
يقولون: ترامب يريد أن يورطنا بحرب لم نخترها.
الجواب: ونحن قاومنا دعوة الدخول للحرب قدر استطاعتنا، فماذا فعلت إيران؟ تمادت في غيها، ولم تقدر ذلك القرار، بل لم تقدر صبرنا طوال الخمسة عقود الماضية.
وسواء شاركنا أم لم نشارك ما يحدث على أرض الواقع ترامب ماضٍ في قراره وقد أضعف إيران بشكل غير مسبوق وهذا لا يمكن إنكاره، وتلك غاية تخدم مصالحنا.
يقولون: خسائرنا كثيرة سواء لتعزيز قدراتنا الدفاعية أو لإصلاح الأضرار وذلك بسبب ترامب ونتنياهو؟: نعم تلك كلفة عالية ندفعها، لكنها كلفة مؤجلة لذلك تضاعف سعرها، ورغم ذلك هي كلفة أقل بكثير من كلفة بقاء هذا النظام واستمراره بعد أن طغى وتمدد ووصل قاب قوسين أو أدنى من قنبلته النووية وأذرعه بدأت تهددنا وخارطته قاربت على الكمال.
يقولون: إنه لا يضربهم بشكل كافٍ، هو متآمر معهم وقريباً سيتفق معهم علينا.
: دعك عنك المستقبل وانظر للحاضر وراقبه بشكل موضوعي، إن الضربات التي تحدث الآن على مدى أسبوعين وما قامت به إسرائيل قبل الهدنة أوقعت أضراراً جسيمة على النظام الإيراني هذا غير قتلاه وخسائر ترسانته، أليس ذلك في صالح مستقبل المنطقة والسلم الذي نرتجيه وكانت تلك الترسانة مهددة للسلم الدولي كله، فإن كانت تلك مؤامرة، فأهلاً بها من مؤامرة.
أما قولكم إنه لا يضربهم بشكل كافٍ فتلك ازدواجية وعدم استقرار على رأي، هل تريدون أن يضربهم أم لا؟
ثم علينا أن نضع في الاعتبار أن هناك أيضاً خسائر أمريكية، ومنها جنود أمريكيون، وهناك ضغط أمريكي داخلي على ترامب، وهناك تخاذل دولي مخزٍ سواء كان أوروبياً أو شرقياً صينياً روسياً هندياً يريدون أن يستفيدوا دون أن يكون لهم دور، فإن يعمل الرجل (ترامب) وسط كل هذه الضغوط، ويستمر في تحطيم تلك الترسانة، فذلك أمر استثنائي وقرار تم اتخاذه وإصرار عليه ونحن من يكسب.
يقولون: لكنه مستفيد.. : أكيد مستفيد وهل تريده أن يدفع كل تلك الأثمان دون مكاسب؟ تلك سذاجة منا إن كنا نقول إنه يفعلها لسواد عيوننا.
ما يجري الآن هو مشروع كبير يعيد رسم المنطقة مشروع لا تكون فيه إيران خطراً على المنطقة وذلك لصالح مستقبلها، ومستقبل دول الخليج ومستقبل الشعب الإيراني، وفي ذات الوقت هو بالتأكيد مشروع تستفيد منه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير في مواجهة منافسيها الاقتصاديين الذين تقاعسوا عن الدخول معها، وأبقوا على دعمهم لإيران لذات السبب نعم إنه «صراع النفوذ». فأين نحن من ذلك الصراع؟
الخلاصة:
هناك ناس لا تركز عينها إلا على المخاوف والخسائر، ولا يرون الفرص المتاحة، ولا يرون فيما يحدث إلا مؤامرة ضدنا، ويروننا أعجز من انتهاز تلك الفرص والاستفادة منها.