عيسى بن علي الدوسري
حين تنطلق صفارة الإنذار، ويصل التنبيه إلى الهواتف، يقرأ الناس التعليمات، وتمضي الحياة في هدوئها المعتاد. لا تتوقف الطرق، ولا تغلق الأسواق، ولا يربح الخوف موطئ قدم. ليست هذه لامبالاة بالخطر، إنما هي ثقة راسخة بصقور البحرين ونواخذة السماء، وبمنظومات دفاع جوي أثبتت أن سماء المملكة ليست ممراً مستباحاً لصاروخ، ولا ساحة مفتوحة لطائرة مسيّرة.
الحرس الثوري الإيراني لا يطلق سلاحه بحثاً عن أثر عسكري وحده؛ فهو يريد أن يفرض على المجتمع إيقاع القلق، وأن يجعل الإنذار جزءاً من حياة الناس. غير أن البحرين أسقطت هذا الرهان. فالحياة التي تستمر بعد كل تهديد تمثل هزيمة سياسية للمعتدي، كما يمثل اعتراض الصاروخ هزيمة عسكرية له.
وما نشهده من جاهزية لا تصنعه أيام المواجهة، وإنما تصنعه عقود من التطوير المستمر لمنظومة الدفاع الجوي؛ من الرصد والإنذار المبكر، إلى القيادة والسيطرة، وصولاً إلى الاعتراض الدقيق. وبين ظهور الإشارة على شاشة الرادار وسقوط الهدف المعادي، تعمل منظومة متكاملة يقودها رجال يعرفون أن ثانية واحدة قد تفصل بين خطر عابر وأمن مدينة.
وهذه الجاهزية ثمرة رؤية سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه. فقد أدرك جلالته أن السلام لا يحمي نفسه، وأن السيادة تحتاج إلى قوة تمنع العدوان قبل أن يبلغ غايته. لذلك جاء بناء قوة دفاع البحرين وتحديث قدراتها مشروع دولة طويل المدى، لا استجابة طارئة لحدث عابر.
ويبرز في هذه المسيرة دور صاحب المعالي المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، القائد العام لقوة دفاع البحرين، الذي ارتبط اسمه ببناء القوة ورفع كفاءتها وترسيخ الانضباط في وحداتها. فالمنظومات الحديثة لا تصنع الردع وحدها؛ يصنعه قائد يتابع، وعسكري يتقن، ومؤسسة تستعد في زمن الهدوء كما تستعد في زمن الخطر.
أما الأطماع الفارسية في الخليج العربي، وفي البحرين على وجه الخصوص، فليست وليدة هذه المرحلة. إنها امتداد لمشروع توسعي قديم، تتغير أدواته ويبقى جوهره واحداً: التدخل، والضغط، ومحاولة إخضاع دول المنطقة لإرادة طهران. مرةً يأتي في خطاب سياسي، ومرةً عبر أذرع مسلحة، واليوم على جناح مسيّرة أو في رأس صاروخ.
غير أن من يقرأ البحرين بعين الطمع لا يفهم تاريخها ولا رجالها. فهذه المملكة لا تُقاس بمساحتها، وإنما بثبات قيادتها، وكفاءة قواتها، ووحدة شعبها. وكل صاروخ يسقط في السماء، يسقط معه وهمٌ فارسي قديم بأن البحرين يمكن أن تُرهب أو تُستدرج إلى الفوضى.
ذلك هو الردع الحقيقي: أن يفشل السلاح في بلوغ هدفه، ويفشل الخوف في بلوغ قلوب البحرينيين والمقيمين. وستبقى سماء البحرين سيفاً مسلولاً في وجه العدوان، تحرسه صقورها، ويقوده ملك حكيم، ويسنده شعب يعرف أن أمن الوطن عهد لا يُساوم عليه.
* نائب شيخ قبيلة الدواسر بالدمام ومملكة البحرين