أكد النائب أحمد السلوم، رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس النواب، أن مملكة البحرين رسّخت تجربة وطنية نموذجية ومتقدمة في مكافحة الاتجار بالأشخاص، انتقلت بهذا الملف من نطاق المواجهة القانونية والأمنية إلى منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والرصد والملاحقة وحماية الضحايا وتأهيلهم، وترتكز على التعاون الوثيق بين مؤسسات الدولة والسلطة التشريعية والمجتمع المدني.

وقال السلوم، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص، الذي يصادف 30 يوليو من كل عام، إن المنجز البحريني في هذا المجال يجسّد الرؤى الإنسانية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، ويحظى بمتابعة مستمرة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بما يؤكد أن صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه يمثلان ركيزة ثابتة في المشروع الوطني ومسيرة التنمية الشاملة.

وأوضح أن محافظة البحرين على تصنيفها ضمن الفئة الأولى في التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية المعني بمكافحة الاتجار بالأشخاص لسنوات متتالية لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت نتيجة منظومة تشريعية ومؤسسية متطورة، وإجراءات عملية قابلة للقياس، والتزام مستمر بتطبيق أفضل المعايير والممارسات الدولية في منع الجريمة وحماية الضحايا ومحاسبة مرتكبيها.

وأشار إلى أن استدامة هذا التصنيف المتقدم تضع البحرين ضمن الدول الرائدة دوليًا في مكافحة الاتجار بالأشخاص، وتعكس حجم التطور الذي شهدته التجربة الوطنية، وقدرتها على مواكبة التحولات التي تطرأ على صور الجريمة وأساليب ارتكابها، خصوصًا مع تصاعد استخدام التقنيات الرقمية في استدراج الضحايا واستغلالهم.

وقال السلوم إن الأرقام التي أعلنها وزير الداخلية تعكس فاعلية الجهود المبذولة على أرض الواقع، إذ باشرت إدارة مكافحة الاتجار بالبشر 70 بلاغًا خلال عام 2025 والنصف الأول من عام 2026، أسفرت عن حماية 84 مجنيًا عليهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق 92 متهمًا، مؤكدًا أن هذه المؤشرات تكشف عن جاهزية الأجهزة المختصة وسرعة استجابتها للبلاغات وقدرتها على الوصول إلى الضحايا وحمايتهم وملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى العدالة.

وأضاف أن القيمة الحقيقية لهذه الأرقام لا تقتصر على عدد البلاغات أو المتهمين، بل تتمثل في إنقاذ أشخاص من الاستغلال، وإعادتهم إلى مسار الحماية القانونية والإنسانية، وتوفير الرعاية اللازمة لهم، وهو ما يعكس أن الإنسان يظل محور الإجراءات الوطنية وغايتها الأساسية.

وأشاد السلوم بصورة خاصة بالدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الداخلية، ممثلة في الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية وإدارة مكافحة الاتجار بالبشر، وما تقوم به من جهود أمنية واستباقية في تلقي البلاغات ورصد الممارسات المشبوهة والوصول إلى الضحايا وضبط المتورطين، إلى جانب التطوير المتواصل لوسائل العمل والاستفادة من التقنيات الحديثة في مواجهة أنماط الجريمة المستجدة.

كما ثمّن جهود اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص في تنسيق العمل بين الجهات الحكومية والأمنية والقضائية ومؤسسات المجتمع المدني، وتنفيذ الخطط والمبادرات الوطنية، وتعزيز التوعية المجتمعية، وتطوير آليات حماية الضحايا وإحالتهم إلى خدمات الرعاية والدعم، مؤكدًا أن هذا التكامل المؤسسي يشكّل أحد أبرز عناصر قوة التجربة البحرينية.

ونوّه بالدور الذي تقوم به هيئة تنظيم سوق العمل في تعزيز الحماية داخل سوق العمل، وترسيخ الممارسات التي تحفظ حقوق العمال وأصحاب العمل، ورفع مستوى الوعي بالحقوق والواجبات، والتصدي للممارسات التي قد تفتح منافذ للاستغلال أو العمل القسري، مؤكدًا أن تنظيم سوق العمل وحماية أطرافه يمثلان خط دفاع أساسيًا في مواجهة الاتجار بالأشخاص.

وأكد السلوم أن التعاون بين وزارة الداخلية واللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص وهيئة تنظيم سوق العمل، إلى جانب الأجهزة القضائية والجهات المعنية، قد أسهم في بناء منظومة مترابطة تجمع بين إنفاذ القانون والوقاية والتنظيم والحماية، وهو ما منح التجربة البحرينية طابعها المؤسسي المتقدم واستدامتها.

ولفت إلى أن اختيار شعار هذا العام «عالقون في فخ الاحتيال» يسلط الضوء على التحول المتسارع في أساليب شبكات الاتجار بالأشخاص، التي باتت تستغل الإعلانات الوظيفية الوهمية، وعقود العمل المضللة، ومنصات التواصل والوسائط الرقمية لاستدراج الضحايا وإيقاعهم في صور متعددة من الاستغلال الاقتصادي أو الجنسي أو العمل القسري.

وشدد على ضرورة تكثيف التوعية، خصوصًا بين الباحثين عن عمل والعمالة الوافدة والفئات الأكثر عرضة للاستغلال، والتحقق من صحة عروض العمل والجهات التي تقف خلفها، وعدم تسليم الوثائق الشخصية أو دفع مبالغ مالية إلى جهات غير موثوقة، مع المبادرة إلى إبلاغ الجهات المختصة عند الاشتباه في أي ممارسة تنطوي على استغلال أو احتيال.

وأكد أن القطاع الخاص ومكاتب التوظيف والاستقدام تتحمل مسؤولية مهمة في دعم الجهود الوطنية، من خلال الالتزام بالقوانين والأنظمة، وضمان وضوح عقود العمل، وعدم تحميل العمال رسومًا أو التزامات غير قانونية، وتوفير بيئة عمل عادلة وآمنة تصون الحقوق وتمنع أي صورة من صور الاستغلال.

وبيّن أن مكافحة الاتجار بالأشخاص، إلى جانب بعدها الإنساني والحقوقي، ترتبط بصورة مباشرة بسلامة الاقتصاد واستقرار سوق العمل وجاذبية البيئة الاستثمارية، إذ إن الأسواق التي تقوم على الشفافية وسيادة القانون وحماية العمال تكون أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات النوعية وتعزيز الثقة والتنافسية.

ودعا السلوم إلى مواصلة تحديث التشريعات والإجراءات بما يواكب تطور الجرائم الرقمية وأساليب الاحتيال العابر للحدود، وتعزيز تبادل المعلومات والخبرات بين الدول، وتطوير قدرات العاملين في الصفوف الأمامية على اكتشاف مؤشرات الاستغلال والتعامل مع الضحايا وفق أعلى معايير الحماية والخصوصية.

كما أكد أهمية توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحليل الأنماط المشبوهة، والكشف المبكر عن محاولات الاستدراج والاستغلال، وتسريع الاستجابة للبلاغات، معربًا عن تقديره لإعلان وزير الداخلية إطلاق جائزة للبحث العلمي في مجال مكافحة الاتجار بالأشخاص، بوصفها خطوة نوعية تشجع الدراسات المتخصصة وتدعم تطوير السياسات والإجراءات استنادًا إلى المعرفة العلمية والمعطيات الميدانية.

وأكد السلوم استمرار الدعم النيابي للجهود الوطنية في هذا الملف، والاستعداد لمراجعة الأطر التشريعية وتطويرها كلما دعت الحاجة، بما يضمن مواكبة صور الجريمة المستجدة، وتشديد الحماية، وسد أي ثغرات قد تستغلها الشبكات الإجرامية.

واختتم تصريحه بالتأكيد على أن مكافحة الاتجار بالأشخاص مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، وأن المحافظة على المكانة الدولية المتقدمة التي حققتها البحرين تتطلب مواصلة العمل واليقظة والتطوير، وتعزيز ثقافة الإبلاغ وعدم التساهل مع أي ممارسة تمس كرامة الإنسان أو تستغل حاجته، أيًا كانت جنسيته أو صفته.