* خلال البرامج الإعلامية التي صاحبت احتفاء المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيسها، كان طيف المشاعر حاضراً بقوة، لاستحضار ذكريات ومواقف ومشاعر دافئة امتدت على مدار ربع قرن من العطاء، عايشنا خلالها مراحل التأسيس الأولى مع الرعيل الأول. وكان لي الشرف أن أكون ضيفاً في برنامج «مساء الخير» بتلفزيون البحرين، وكانت المشاعر حينها تتمازج بين الحاضر والحنين إلى الماضي الجميل، إلى تلك الذكريات الأثيرة إلى القلب، التي كنا فيها حاضرين بمشاعرنا، وكان همّنا خدمة الخير والأسر المكفولة، دون النظر إلى اعتبارات وظيفية أخرى. لم تكن الدقائق كافية لسرد كل المشاعر، وبخاصة عند الحديث عن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي امتدت يداه الكريمتان إلى آلاف الأسر التي أضحت اليوم تفخر بأبنائها، وهم أبناء جلالة الملك المعظم، بما وصلوا إليه من مراتب متقدمة. وفي الوقت ذاته، افتخرت بأبناء المؤسسة من الأجيال المتعاقبة، وبخاصة جيل مشروع «الملتقى القيادي»، الذي لا يعرف أثره وقيمته إلا من عاش لحظاته الأسرية الحانية، ولحظات الامتنان والقرب من أبناء المؤسسة.

وقد أتحفونا بكلماتهم الدافئة المعبرة خلال اللقاء التلفزيوني نفسه، واللقاء الإذاعي في إذاعة البحرين، وبمشاعر أثرت بالفعل في نفوس الكثيرين؛ لأنها تتحدث عن مشروع إنساني نبيل رعاه حمد الخير، وقاده باقتدار ناصر الأثر والعطاء. وأفخر بأني لبنة من هذا الصرح الجميل. وسُعدت بكلمات الامتنان التي ذُكرتُ فيها من قبل عدد من أبناء المؤسسة خلال اللقاءين، ومنها ما عبّرت عنه المتألقة دائماً أمل علي رمثان، التي حوّلت ما تعلمته في تلك الحقبة إلى عطاء خصب، من خلال عملها في المؤسسة لخدمة المستفيدين، ومن خلال تأسيسها مشروع الفروسية لتدريب أبناء المؤسسة والمجتمع. وكذلك ما عبّر عنه القائد المتألق عبدالله يعقوب الشاعر، الذي كافح وتجاوز صعوبات الحياة، وامتد عطاؤه ليكون اليوم مسؤولًا إعلاميًا في المؤسسة، وليرد الجميل، ويعكس ما تدرب عليه في تلك السنوات أثراً ممتداً في وطن الخير. وكذلك ما قاله الشاب المكافح سعيد سيف الغافري، الذي تبوأ اليوم منصب نائب الرئيس لصيانة الخطوط في شركة خدمات مطار البحرين، والذي كتبت عنه يوماً، وأفخر أن أعيد الكتابة عنه ببضع كلمات امتنان، رداً على امتنانه عبر اللقاء الإذاعي؛ فهو ابن (الفريج)، وقد عاصرتُ قصة كفاحه وأخواته بعد وفاة والديه، رحمهما الله. واليوم هو ابن البحرين البار، الذي تبوأ منصباً قيادياً مرموقاً، بعد رحلة من العطاء والكفاح، بفضل الله تعالى، ثم بفضل جلالة الملك المعظم، ومبادرات ومشاريع المؤسسة. فشكراً لهم من الأعماق هذا الإطراء والامتنان.

* خلال الأيام الماضية، وكعادتي في كثير من الأحيان، تراودني العديد من التأملات في حياةٍ قصيرةٍ سريعةِ الانقضاء، ومعها طيف من المشاعر والأحاسيس الدافئة، التي أستذكر فيها جوانب عديدة من حياتي، كانت وما زالت تمثل لي الشيء الكثير في رسم ابتسامة الأمل على الوجوه، وصناعة أجمل الأثر، والتواصل الإيجابي مع من أحبّنا وممن قدّروا أثرنا، والسعي في قضاء حاجات الآخرين، والإخلاص في الأعمال بلا رياء ولا سمعة، والبذل والعطاء بلا حدود، دون انتظار ثناء الآخرين. إنها طيف من المشاعر التي تعني لي الكثير، فهي توثّق جوانب كثيرة من الحياة، ليبقى أثرها الجميل إرثاً حقيقياً تقرؤه وتشاهده الأجيال، وينعكس أثرها في موازين الحسنات، التي نسأل الله الكريم أن يتقبلها خالصةً لوجهه الكريم.

* تقلبات الحياة كثيرة، ومفاجآت أقدارها لا تمهلك كثيراً حتى تتحدث عن آمالك القادمة، ومساعيك في قادم الأيام. لذا، كن سباقاً دائماً إلى الاستثمار الأمثل للحظات الحاضرة، والاستمتاع الحقيقي بأنفاسنا في أعمال الخير، وفي النظرة الإيجابية للحياة. فالحياة حلوة بما فيها من خير، وبما فيها من مساحات واسعة تمنحنا فرصة لأن نتحرك فيها إيجابًا، ونستثمر طاقاتنا فيما يرضي الله تعالى. نفكر اليوم بالموجود، ولا نفكر في المفقود، ولا نستحضر آلام الأمس، ولا نكثر من جلد الذات بما قصّرنا فيه، أو أخطأنا فيه، فباب الله تعالى مفتوح للتائبين والمقصرين، وأبواب الأمل تمنحك فرصة لتعالج ما مضى باستثمارٍ أمثل للحاضر، وبالمسارعة في الخيرات والقربات. لا بد أن تعيش أطياف اللحظة الآن، قبل أن تحاصرنا ظروف الحياة وأقدارها، فحينها لا ينفع الندم. الحياة تحتاج أن نكون فيها أقوياء؛ لأننا على يقين بأن هناك ثوابت مؤكدة ستحدث في حياتنا، ولا بد أن نستعد لها بقوة الإيمان، والتسليم بقضاء الله سبحانه وتعالى.

* تمر عليك حالات كثيرة، وتسمع من هنا وهناك عن البعض الذي تغيرت حاله، بعد أن كان مُنعماً بالخير، محاطاً بجماليات الحياة. وفجأةً قد يتغير كل شيء في حياته لأسباب حياتية معينة، فيرى نفسه منكسراً، مهموماً، منعزلاً عن الحياة، غير قادر على أن يكون ذلك القوي المترف. سبحان الله، أستذكر هنا أهمية شكر المولى الكريم على النعم التي أسبغها علينا، وأن نكثر من الحمد بما أعطانا من أشياء كثيرة، ربما لا نستشعر قيمتها إلا إذا فقدناها. وأستذكر هنا أهمية الإكثار من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم صباحاً ومساءً: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك». ودعاء: «اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء». ودعاء: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».

ومضة أمل

سبحان الله العظيم، مشاعر الأيام لا تنتهي، وهي متجددة في كل حين، ولعل بعد هذه السطور تقفز إلى الذهن أفكار أخرى، ومشاعر أخرى، ومواقف متجددة. عندما أكتب، أكتشف أن سطور المقال قد انتهت، ولم تنتهِ بعد أفكار أعددت لكتابتها. فاللهم اجعلنا دائماً أصحاب أثر جميل، إذا حلّوا وارتحلوا، وإذا تحدثوا وكتبوا، وإذا عملوا في مضمار الخير. اللهم تقبل منا، واغفر تقصيرنا، وأحسن خاتمتنا.