لقد لاقى موضوعنا المنشور في عمودنا إشراقة يوم السبت الماضي الموافق 24 من شهر يوليو 2026، تفاعلاً كبيراً من القراء الأعزاء، حيث تناول المقال مشكلة أن بعض المدارس الخاصة تخرج طلبة لا يتقنون مهارات اللغة العربية، فبعضهم لا يجيدون التحدث باللغة العربية، والبعض الآخر قد يتحدث باللغة العربية، لكنه لا يعرف القراءة والكتابة باللغة العربية، تلك مشكلة حضارية خطيرة كونها تتعلق بهوية أبناء البحرين ومدى التزامهم بثوابت ثقافتنا العربية الإسلامية.
ونشكر حساب «عيون الديرة» الذي أعاد نشر المقال معلقاً بأنه مقال قوي يستحق القراءة، حيث حصلنا على العديد من التعليقات والمداخلات الجوهرية والهامة من القراء الأعزاء المتابعين لهذا الحساب، مما يدل على قناعتهم بأن هناك ظاهرة اجتماعية يجب التصدي لها وهي عزوف بعض الطلبة عن اللغة العربية، وربما الهوية البحرينية العربية الإسلامية، فلا بد من التركيز على متابعة أداء بعض المدارس الخاصة، وهنا أسلط الضوء على كلمة «بعض» لأن هناك بعضاً من المدارس الخاصة تهتم بتعميق الاعتزاز باللغة العربية لدى طلبتها، ولكننا نعيد قرع نفس الجرس الذي أقرعه المفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري -رحمه الله- وهو معالجة مخرجات التعليم لدى «بعض» المدارس الخاصة التي تخرج طلبة بلا لغة عربية ولا حتى هوية عربية، وسوف نستعرض بعض مداخلات القراء حول الموضوع لأهميتها:
يرى بعض الطلبة وأولياء أمورهم بأن هناك منهجاً مقرراً لتدريس اللغة العربية بهذه المدارس الخاصة، والطلبة يحصلون فيها على درجات عالية، ولكن بعض المدارس الخاصة لا تلزم الطلبة بحضور الحصة، وإن حضروا فلا جدية في تدريس المادة، فعلى حد تعليق أحد الطلبة بأن حصة العربي «خرطي» أي لا جدية فيها، وأرى أن المشكلة لا تكمن في طرق التدريس وإدارة الموقف التعليمي فقط، بل ربما في الإيمان بأهمية اللغة العربية، فالبعض يرى بأنه لا داعي لتعلم هذه اللغة؛ لأن اللغة الإنجليزية هي لغة العمل والوظيفة.
ويرى عدد من القراء أن المشكلة لا تكمن في المدرسة، أو في المنهج الدراسي أو طرق التقويم التربوي، بل تكمن المشكلة في بعض الأمهات والآباء فهم لا يتحدثون مع أولادهم باللغة العربية، بل يعتزون بأن اللغة الأساسية لأبنائهم هي اللغة الإنجليزية، وقد استوقفتني مداخلة أحد القراء بأن هناك مشكلة أكبر لدى بعض الأمهات اللاتي يتحدثن مع أبنائهن باللغة الإنجليزية وهن لا يتقنون هذه اللغة، فيخرج الطفل لا يجيد اللغة العربية ولا حتى اللغة الإنجليزية!!! لعمري إن هذا من عجائب هذا الزمان، ويقول أحد القراء أن من المفارقات أن كبار أدبائنا العرب الذين أثروا القصص والروايات الأدبية كانوا يجيدون اللغات الاجنبية، ولم يكن أحد يضاهيهم في لغتهم الأدبية العربية، فما المانع أن نتقن عدة لغات بجانب لغتنا الأم ؟!!!
ويرى بعض القراء أنه يتعين على المعنيين فرض اللغة العربية في مدارسنا الخاصة كلغة أساسية فلا تدرس كلغة إضافية «أجنبية» فقط بهدف استكمال متطلبات التخرج، ولفت بعض القراء النظر لوجوب مراعاة الجاليات الأخرى غير الناطقة باللغة العربية مثل: الهندية والباكستانية، والأوروبية، ومن الأسئلة الوجيهة التي طرحها القراء أين دور الإعلام في تعميق الشعور بالاعتزاز باللغة العربية لدى الجمهور؟!
ويرى بعض القراء أن المشكلة ليست مشكلة لغة فقط، بل هي مشكلة ثقافة عربية إسلامية وهوية وطنية، فتجد أن سلوكيات وتصرفات بعض الطلبة بعيدة عن ثقافتنا البحرينية، فهم أغراب في وطنهم وبين أهلهم، ويطرح القراء الأعزاء قضية استوقفتني فعلاً وهي: أن هناك مدارس سواء كانت مدارس حكومية أو خاصة قادرة على تخريج طلبتها متقنين للغة الإنجليزية، بل نجد عدداً كبيراً منهم حاصلون على البكالوريا الدولية، وفي الوقت لم يخسر الطالب هويته العربية ولغته الأم، ويتساءل القارئ فهل يعقل أن يصعب على بعض المدارس الخاصة «وأقول بعض» إعادة النظر في مناهجهم، وإعادة النظر في القيم التي تبث بين الطلبة في المدرسة للوصول للتوازن في مخرجات التعليم، بالجمع بين جودة المستوى العلمي والحفاظ على مقومات الهوية الوطنية في نفس الوقت؟!، وهنا يأتي دور وزارة التربية والتعليم في التركيز على متابعة جودة أداء هذه الفئة من المدارس الخاصة. ومن خلال تعليقات القراء الأفاضل نخرج إلى أن المشكلة لا تكمن في قدرة الطلبة، على تعلم لغات أخرى كالإنجليزية أو غيرها، إضافة للغة العربية الأم، ولكن تكمن القضية في تعزيز قيم ومبادئ وأفكار وقناعات ووجهات نظر حول مدى أهمية اللغة العربية، وأهمية الالتزام بالهوية الوطنية. وبأن علامة الرقي والتمدن هو التحدث باللغة الإنجليزية والتجرد من الهوية العربية، ولعمري إنها لمشكلة حضارية تحتاج لموقف حازم وتكاتف جهود.. ودمتم سالمين.