جاءت الكلمة الملكية السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه، خلال التمرين المشترك «درع البحرين»، لتتجاوز المناسبة العسكرية، وترسم معالم رؤية استراتيجية متكاملة لأمن الخليج؛ قوامها وحدة المصير، والتكامل الدفاعي، والردع المشترك، وحماية المنجز التنموي والحضاري لشعوب المنطقة.

فعندما وصف جلالته التمرين بأنه «امتداد عملي» لجهود مجلس التعاون في تعزيز أمنه الجماعي، كان يؤكد أن قوة العلاقات الخليجية لا تكتمل بالبيانات والمواقف السياسية وحدها، وإنما تترسخ بقدرة القوات المسلحة على العمل معًا، وتوحيد مفاهيمها العملياتية، ورفع جاهزيتها، والتعامل بكفاءة مع مختلف مصادر التهديد. وهنا تتحول الأخوة الخليجية من قيمة راسخة في الوجدان إلى قوة حاضرة في الميدان.

ويكتسب تمرين «درع البحرين» أهميته من اتساع المشاركة الخليجية، وما أتاحه من تقييم منظومات العمل العسكري المشترك، والارتقاء بمستويات الأداء القتالي، وتنمية القدرة على التخطيط للعمليات المشتركة، إلى جانب تبادل الخبرات وتوحيد المفاهيم بين القوات المشاركة. وهذه المشاركة تعكس مسارًا مؤسسياً ممتداً بدأ بإنشاء قوة درع الجزيرة عام 1982، وتعزز باتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في المنامة عام 2000، ثم بإنشاء القيادة العسكرية الموحدة؛ لتنتقل دول المجلس تدريجيًا من التعاون الدفاعي إلى بناء منظومة أكثر تكاملًا وقدرة على الردع.

ومن أبرز مضامين الكلمة السامية ذلك الربط العميق بين القوة الدفاعية وحماية «العمران التنموي والحضاري» الذي تنعم به دول الخليج. فالأمن ليس ملفاً عسكرياً منفصلًا عن مسيرة التنمية؛ فهو السياج الذي يحمي المدن والمطارات والمنشآت والاقتصاد والتعليم، ويصون حياة الإنسان واستقرار المجتمع. وكلما ارتفعت كفاءة الردع المشترك، ازدادت قدرة الدول الخليجية على مواصلة البناء بثقة، وحماية مكتسباتها من تداعيات الأزمات والاعتداءات.

واتسمت الكلمة السامية بالوضوح في توصيف السلوك الإيراني بما ينطوي عليه من تصعيد غير مبرر وتوسيع لدوائر النزاع. ولم يكتفِ جلالته بتشخيص التهديد؛ فقد استحضر فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، وما أضافته إلى حضارتها من عمق روحي وإنساني ومعرفي، وأبقى باب العودة إلى جادة الصواب مفتوحًا بترجيح كفة الأخوة الإسلامية والعيش المشترك واحترام عهود حسن الجوار. وهي رؤية تجمع بين الحزم المسؤول والرغبة الصادقة في السلام، وتؤكد أن حسن الجوار لا يستقيم مع الاعتداء.

كما أن إشارة جلالته أيده الله إلى الدعم الدولي والتنسيق الأمني والدفاعي مع الأشقاء والأصدقاء والحلفاء تعكس تعدد مستويات الردع، وتؤكد أن حماية الخليج تقوم على تكامل القدرات الذاتية الخليجية مع الشراكات الاستراتيجية الموثوقة. فالتحالفات الفاعلة تصبح أكثر قوة حين تستند إلى جبهة خليجية متماسكة، وإرادة مشتركة، وقوات قادرة على العمل الميداني المنظم والاحترافي.

وتبقى عبارة جلالته: «دماؤنا واحدة على كل الجبهات» أبلغ ما يلخص رسالة «درع البحرين». فهي تعلن أن أمن البحرين هو أمن الخليج، وأن تلاحم القوات المسلحة لدول المجلس تجسيد لوحدة الهدف والمصير. كما جاءت مشاركة «لواء الملك حمد» من القوات المسلحة الإماراتية، إلى جانب القوات الشقيقة من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ودولة قطر ودولة الكويت، لتمنح هذه العبارة معناها الحي في الميدان.

لقد أكد جلالة الملك المعظم، بحكمته المعهودة وبُعد نظره، أن الخليج يكون أكثر أمناً حين تتوحد إرادته، وأكثر منعة حين تتكامل قدراته، وأقدر على حماية مستقبله حين تتحول روابط الأخوة الخليجية الراسخة إلى عمل ميداني منظم واحترافي. وتلك هي الرسالة الأعمق لـ«درع البحرين»: أمنٌ تصنعه وحدة الصف، وسلامٌ تحميه قوة الردع، ومستقبلٌ خليجي يستند إلى رؤية قيادة حكيمة تعرف متى تمد يد السلام، وكيف تحمي الأوطان من كل من يهدد أمنها وسيادتها. حفظ الله جلالة الملك المعظم، وأدام جلالته قائداً حكيماً لمسيرة البحرين، وحفظ قواتنا الباسلة ودول مجلس التعاون وقادتها وشعوبها، وأدام على خليجنا نعمة الأمن والمنعة والاستقرار.