بينما يلهو أبناؤنا أمام الحواسيب وشاشات التلفاز، ونظن نحن الآباء أننا نوفر لهم التقنيات التي تدعم نموهم وتجعلهم أكثر قرباً من التطور التكنولوجي من حولهم، هناك أخطار تصل إلى أدمغتهم، وتشكل كوارث مرضية على صحتهم العقلية والنفسية، ولا ندرك مخاطرها إلا عندما نسقط في عواقبها. ليست مجرد ألعاب تهدر الوقت، أو تعزز عزلة الأبناء، بل خطر يعبث بأدمغة أبنائنا، نعم أدمغة الأطفال؛ فهذه ليست جملة للدراما الصحفية أو لإثارة القارئ، ولكنها واقع أكثر مما يظن البعض. فمع انتشار تلك الألعاب رأينا أطفالًا يتحولون إلى أشباح، وكنا وما زلنا كتربويين شهوداً على آلاف الحالات، حيث شاركنا الكثير من الأسر معاناتها في قصص واقعية لم نقرأ أو نسمع عنها بل عشناها؛ قصص دمرت أطفالاً وشباباً وأصبحوا بحاجة إلى رعاية طبية دائمة. فكانت تلك الألعاب محفزاً قوياً لاضطرابات دماغية وصلت إلى حد الأمراض العصبية، وزيادة كهربة الدماغ وغيرها من المشكلات المرضية التي ضجّت بها المستشفيات، وعانت منها الأسر. شاهدنا أطفالاً يسقطون في حالة غياب عن الوعي، ويعانون من نوبات هلع غير مبررة، أطفالًا تتشنج أطرافهم وأجسادهم، وتتدهور لديهم المعرفة والإدراك، وتتدني قدراتهم التحصيلية، فهناك علاقة طردية بين الإفراط في تلك الألعاب وتشتت الانتباه وضعف التركيز في الدماغ، والإجهاد البصري والمعرفي، والتأثير على بنية الخلايا العصبية ووظائف الدماغ، فضلًا عن التغييرات السلوكية والنفسية التي تسببها الإثارة البصرية لتلك الألعاب على استجابات الطفل العاطفية، وتقليص ما يعرف بالمادة الرمادية في الدماغ وهي المسؤولة عن التفكير والتحكم العاطفي، واستنزاف الدوبامين الداعم للسلوك الإدماني، وتدهور نمو الفص الجبهي في الدماغ المسؤول عن السلوك، فضلًا عن ضعف التركيز والتراجع الاجتماعي، وغيرها من التأثيرات الكارثية على الصحة العقلية والنفسية لأبنائنا.

فحين يصل الأبناء إلى تلك المرحلة، لا تجدي أية ممارسات لتعديل السلوك أو الحماية أو الدعم، وعندها يبدأ التدخل الدوائي الذي يشكل في حد ذاته تحديًا على سلامة الصحة العقلية والنفسية لأبنائنا، فندرك مدى تقصيرنا تجاه أبنائنا. فتلك الألعاب الإلكترونية لم تكن أكثر من محفز لظهور مختلف تلك الاضطرابات التي حصرنا بعضها. نعم، قد لا تكون هي المسؤول الأول عن تلك الاضطرابات، ولكنها المحفز الرئيس لاستثارة هذه الاضطرابات، فكان من الممكن أن يعيش أطفالنا أعمارهم كاملةً، دون أن تظهر تلك البؤر السلوكية والعصبية في الدماغ، فكانت ضغوطًا عصبية ونفسية على أدمغة أطفالنا. ينبغي أن تكون المجتمعات والأسر على وعيٍ كامل بتلك المخاطر وعياً يمكنها من تتبع تلك المشكلات، والتوعية بأخطارها، ووضع البرامج والضوابط التي تصل إلى حد سنّ تشريعات تضمن حماية الطفل من تلك المخاطر، في تعاون وانسجام بين مختلف مؤسسات المجتمع.