شيخه الرمزان

في ذلك المساء، لم تكن البحرينُ جزيرةً تعانقها المياه، بل كانت عروسًا ألبسها الفخرُ ثوبًا من الضوء، ووقفت على ضفاف الخليج ترفع وجهها إلى السماء، كأنها تهمس للغيوم: اطمئني... فما دام الحبُّ يحرس هذه الأرض، فلن يضيع فيها صباح.

وكان النسيمُ يمرُّ على رايات الخليج كما تمرُّ يدُ أمٍّ حنون على رؤوس أبنائها، فلا يفرّق بين لونٍ ولون، لأن الريح تعرف ما قد ينساه البشر أحيانًا؛ أن الأشجار التي نبتت من تربةٍ واحدة، مهما تباعدت أغصانها، تبقى جذورها متشابكةً في الأعماق، تستقي من نبعٍ واحد اسمه الأخوّة.

وحين صدحت كلمةُ حضرةِ صاحبِ الجلالةِ الملكِ حمدِ بنِ عيسى آل خليفة، لم أشعر أنني أستمع إلى خطاب، بل إلى قلبِ وطنٍ يخفق. كان صوته يشبه منارةً بحريةً عتيقة، لا ترفع صوتها إلى السفن، لكنها تهديها إلى المرافئ الآمنة. فالمنارات لا تصرخ... إنها تضيء، والضوء الصادق يصل دائمًا قبل الخوف.

وفي تلك اللحظة، بدا لي أن البحرين لم تكن تنظر إلى جنودها وحدهم، بل كانت تنظر إلى أحلام أطفالها، وإلى الغد الذي يستحق أن يولد آمنًا. فكل خطوةٍ يخطوها جنديٌّ بثبات، هي في الحقيقة وردةٌ تتفتح في دروب الوطن، وكل عينٍ تسهر على حدوده، تمنح أمًّا في الداخل نومًا هادئًا، وتمنح طفلًا فرصةً أخرى ليحلم بمستقبلٍ أجمل.

ما أجمل أن تكون القوةُ نخلةً باسقة؛ تغوص جذورها في أعماق الأرض وفاءً، بينما يعانق سعفُها السماء سلامًا. تقف شامخةً في وجه الرياح، لكنها لا تمنح الناس إلا الظلَّ، والثمر، وطمأنينة المكان. هكذا تكون القوة حين تهذبها الحكمة؛ لا تبحث عن المواجهة، بل تحرس السلام حتى يظل مزهرًا تحت ظلالها.

وفي «درع البحرين» لم أرَ الدبابات وهي تعبر الأرض، بل رأيت الثقة وهي تعبر القلوب. ولم أسمع هدير الآليات، بل سمعت الخليج كله يعزف لحنًا واحدًا، وكأن البحر قد جمع أمواجه ليكتب على صفحته الزرقاء: نحن هنا... لأننا معًا، ولأن ما يجمعنا أكبر من الحدود، وأبقى من الزمن.

البحرين تعرف سرًّا جميلًا؛ أن الأوطان لا تكبر بالحجارة، بل بالمحبة. وأن الأسوار الحقيقية ليست تلك التي تُشاد على الحدود، بل تلك التي تُبنى في صدور الرجال، حيث يسكن الإخلاص، ويقيم الوفاء، وتنام الطمأنينة آمنةً بين أيديهم.

لهذا، بدت كلمةُ جلالة الملك كأنها غصنُ ياسمينٍ وُضع في خوذةِ كل جندي، ليذكّره أن وراء كل موقعٍ يحرسه بيتًا دافئًا، وطفلًا يضحك، وأمًّا لا تنام حتى يعود أبناؤها سالمين، ووطنًا لا يطلب من أبنائه إلا أن يحبوه كما أحبهم.

شيخة الرمزان