حق الطفل في الزيارة أساسه الاستقرار النفسي وليس النزاع بين الوالدين
طفلة انتهى بها المطاف إلى إيذاء نفسها بسبب الصراع الأسري
صراع الولاء من أخطر الآثار النفسية التي يعيشها الأبناء بعد الانفصال
الطلاق الحضاري يبدأ بإبعاد الطفل عن النزاعات بين الوالدين
استخدام الأبناء للضغط أو الانتقام يهدد استقرارهم النفسي
الزيارة حق أصيل للطفل وليست امتيازاً للوالدين
الخاسر الأكبر في نزاعات الحضانة والزيارة هو الطفل
حرمان الطفل من الزيارة قد يسبب القلق والكوابيس وتراجع المستوى الدراسي
تحويل الزيارة إلى جلسة تحقيق يدفع الطفل إلى النفور من أحد والديه
التحريض والتلقين يهددان هوية الطفل وانتماءه الأسري
"الطلاق الحضاري" يحفظ للطفل توازنه رغم انتهاء العلاقة الزوجية
النجاح بعد الطلاق لا يُقاس بكسب القضية.. بل بالحفاظ على نفسية الطفل
طفل يرفض أن يُلحَق اسم والده باسمه، وطفلة أصيبت بعقدة من الزواج، وأخرى تجرح وتؤذي نفسها؛ والسبب خلافات ومعارك الآباء والأمهات بعد الانفصال، وحرمان الأطفال من أبسط حقوقهم، وكل هذا بعض من وقائع وقصص ترد إلى النيابة العامة.
وتؤكد رئيس قسم البحث الاجتماعي في النيابة العامة دلال العطاوي أن حق الطفل في الزيارة يُعد من الحقوق الأصيلة التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار النفسي والتربوي بعد انفصال الوالدين، مشددة على أن الطفل لا ينبغي أن يكون طرفاً في الخلافات الأسرية أو وسيلة للضغط والانتقام؛ حتى لا يدخل في حالة نفسية تُعرف بـ«صراع الولاء».
وأوضحت، في لقاء صحافي (بودكاست) مع «الوطن»، أن كثيراً من الممارسات الخاطئة التي يرتكبها بعض الوالدين تنعكس سلباً على نفسية الطفل وحياته المستقبلية، متطرقة إلى أبرز الأخطاء التي يتم رصدها، وآليات التعامل معها، ودور النيابة العامة في حماية الأطفال وتعزيز ثقافة «الطلاق الحضاري». وهذا نص الحوار:
في الفترة الأخيرة حظي ملف الزيارة والحضانة باهتمام واسع، سواء من النيابة العامة أو الأخصائيين الاجتماعيين، ومن هذا المنطلق، نود تسليط الضوء على أهمية الزيارة بالنسبة للطفل، وما أبرز الأخطاء التي قد يرتكبها الوالدان، سواء بقصد أو من دون قصد، والتي تؤثر في نفسية الطفل؟
من أكثر الأخطاء التربوية التي نلاحظها في القضايا الواردة إلى النيابة العامة أن يطلب أحد الوالدين من الطفل الانحياز إليه، أو التحدث عن الطرف الآخر بصورة سلبية، أو استخدامه وسيلةً للضغط أو الانتقام، جميع هذه التصرفات تنعكس في النهاية على الحالة النفسية للطفل، وتفقده الشعور بالأمان.
ومن أبرز المشكلات التي يعيشها الأطفال في حالات الانفصال ما يعرف بـ«صراع الولاء»، وهو شعور الطفل بأنه مضطر لاختيار أحد والديه أو أن يحب أحدهما أكثر من الآخر، فعلى سبيل المثال، إذا كانت الأم هي الحاضنة، فقد يشعر الطفل بأن إظهار محبته لوالده يعد خيانة لمشاعر والدته، والعكس صحيح.
هذه المشاعر قد تقود الطفل إلى الاكتئاب أو القلق أو الحزن أو التوتر، وتترك آثاراً لا تقتصر على المرحلة الحالية، بل تمتد إلى مستقبله.
وأستذكر حالة لفتاة عاشت وسط نزاعات أسرية متكررة وصلت إلى أروقة النيابة العامة، وكانت تبلغ من العمر 16 عامًا. خلال دراسة حالتها قالت لي: «أشعر أنني لا أريد تكوين أسرة، وأصبحت أكره الرجال، وأعتقد أن الزواج أمر غير صحيح». وهذه القناعات لم تتكون من فراغ، وإنما كانت نتيجة مباشرة لما عاشته من صراعات أسرية.
ولو سألنا أنفسنا: من المسؤول عن تكوين هذه الأفكار لدى الطفلة؟ فالإجابة هي الأسرة بالدرجة الأولى. ففي عمرها كان يفترض أن تنشغل بدراستها وألعابها واهتماماتها الطبيعية، لا أن تنشغل بالخوف من الزواج أو العلاقات الأسرية.
لذلك، كلما استخدم الطفل لتحقيق مصالح شخصية أو للضغط والانتقام بين الوالدين، كانت النتيجة إلحاق أضرار نفسية قد تستمر سنوات طويلة، وحتى إذا انتهت الخلافات بين الوالدين لاحقاً، فإن إزالة تلك الأفكار والقناعات من نفسية الطفل لن تكون بالأمر السهل.
تحدثتِ عن إشراك الطفل في النزاعات بين الوالدين واستغلاله لتحقيق أهداف معينة أو للانتقام من الطرف الآخر، من الناحية الاجتماعية، كيف تؤثر هذه السلوكيات في الطفل؟
من المهم أن ندرك أن بعض الآباء والأمهات يتبعون أساليب تؤدي إلى إشراك الطفل في النزاعات، وخصوصاً من خلال التحريض أو التلقين.
فمجرد أن يقول أحد الوالدين للطفل: «أمك ما تحبك» أو «أبوك ما يحبك» أو «لم يأتِ لزيارتك لأن لديه أموراً أهم منك»، فإن هذه العبارات تتحول إلى أفكار ومشاعر وسلوكيات لدى الطفل تجاه الطرف الآخر، وتلحق ضرراً بانتمائه الأسري وشعوره بالاستقرار.
وقد يصل الأمر إلى تحريض الطفل على سلوكيات معينة، كأن يطلب منه أحد الوالدين ألا يسلم على الطرف الآخر أو ألا يتحدث معه، أو أن يخوفه بالقول إن بيت الطرف الآخر مكان غير آمن، أو أن هناك من قد يؤذيه إذا ذهب إليه.
وفي بعض الحالات يصل التحريض إلى مستويات خطيرة تمس هوية الطفل وانتماءه، وأستذكر حالة لطفل كان يردد أنه لا يريد أن يحمل اسم والده، وإنما يريد اسمه واسم عائلته فقط، وهنا لم تعد المشكلة مجرد خلاف بين الوالدين، بل امتدت إلى التأثير في هوية الطفل وانتمائه.
كل هذه الممارسات تترك آثاراً كبيرة على إحساس الطفل بالأمان والاستقرار، وتجعله يعيش مشاعر الضياع والتردد والقلق، وتؤثر في علاقته بالطرف الآخر.
وقد يعتقد البعض أن أكثر ما يؤلم الطرف الآخر هو استخدام الأبناء، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن الخاسر الأكبر في النهاية هو الطفل.
وأؤكد أن قضايا الحضانة والزيارة تحظى بمتابعة مباشرة من النائب العام الدكتور علي بن فضل البوعينين، سواء في نيابة الأسرة والطفل أو في القضايا المحالة إلى قسم البحث الاجتماعي.
يعتقد كثيرون أن الزيارة حق للأب أو للأم، باعتبارها تلبي احتياجهما العاطفي، بينما الحق الأصيل هو حق الطفل نفسه، كيف يمكن إيصال هذه الفكرة إلى الوالدين، سواء كانا حاضنين أو غير حاضنين، بأن المستفيد الأول من الزيارة هو الطفل؟
في البداية، من المهم أن ندرك أن لكل من الأب والأم الحق في رؤية أبنائهما، لكن يجب أن نركز على الحقيقة الأساسية، وهي أن الزيارة حق للطفل قبل أن تكون حقاً للوالدين، لأنها تحقق له الاستقرار النفسي والتربوي.
في كثير من الأحيان يركز كل طرف على حقوقه، فيقول: «من حقي أن أقضي الوقت مع طفلي»، أو «من حقي أن أراه في هذا اليوم أو ذاك»، وهذا حق مشروع، لكن الأهم هو: هل تقوم بدورك في دعم حق الطفل في الحصول على علاقة صحية مع الطرف الآخر؟
فعندما تمنح الأم طفلها المساحة الكافية ليحصل على حقه التربوي في التواصل مع والده، أو يمنح الأب أبناءه الفرصة للحصول على حقهم التربوي مع والدتهم، فإنهما يطبقان المفهوم الصحيح للعملية التربوية بعد الانفصال.
ولهذا فإن فلسفة تشريع الزيارة تقوم على تحقيق الاستقرار النفسي للطفل، وليس مجرد تمكين أحد الوالدين من رؤيته.
بعد الانفصال يبدأ كل طرف حياته الخاصة، وقد يتزوج مرة أخرى أو يعيش مع أسرته، بينما يبقى الطفل متنقلًا بين بيئتين وأسرتين، كيف يهيئ "الحاضن" الطفل نفسياً قبل ذهابه لزيارة والده أو والدته حتى تمر الزيارة بسلاسة ودون آثار نفسية سلبية؟
نجاح الزيارة يعتمد بدرجة كبيرة على الطرف الحاضن، وعلى أسلوب تعامله مع الطفل، وطريقة حديثه عن الطرف الآخر.
فمن المفترض أن يتم تهيئة الطفل قبل موعد الزيارة بعدة أيام، وأن يقال له، على سبيل المثال: «ستذهب إلى والدك، وستقضي معه وقتاً جميلاً وتستمتع»، أو «ستزور والدتك، وستقضيان وقتاً ممتعاً معاً».
عندما يسمع الطفل مثل هذه العبارات، تتكون لديه قناعة بأن والديه، رغم انفصالهما، ما زالا يحترم كل منهما الآخر، وأن العلاقة بينهما قائمة على الاحترام بعيداً عن النزاعات.
قد تبدو هذه الكلمات بسيطة، لكنها تمنح الطفل شعوراً بالراحة والطمأنينة، وتؤكد له أنه لا يزال يعيش في بيئة آمنة رغم الانفصال.
كيف يمكن للأب أو الأم، رغم وجود خلافات بينهما، أن يدعم علاقة الطفل بالطرف الآخر بما يسهم في تنشئته بصورة سليمة؟
لدينا نماذج مشرّفة تطبق هذا المفهوم بصورة إيجابية، وأستذكر موقفاً لأحد الآباء أتمنى أن يقتدي به الجميع، كان هذا الأب يقول لطفله: «عندما تزور والدتك فإنك تحقق جزءاً من البر بها، وأنا أريدك أن تزورها، ولن أمنعك أبداً من رؤيتها في أي وقت ترغب فيه».
هذا الأب لم يكن يدعم الأم بقدر ما كان يدعم طفله، ويضع صحته النفسية في المقام الأول، ومن المهم أن يدرك الوالدان أن ذهاب الطفل للطرف الآخر لن يضره، بينما منعه من الزيارة هو الذي يلحق به الضرر الحقيقي، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي أو التعليمي أو حتى في مستقبله.
ما الأخطاء التي قد يرتكبها الطرف غير الحاضن وتؤدي إلى نفور الطفل من الزيارة أو عدم رغبته في تكرارها؟
هناك أخطاء تصدر من الطرف غير الحاضن، وأخرى يشترك فيها الطرفان، أما بالنسبة للطرف غير الحاضن، فمن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يعتبر وقت الزيارة فرصة لجمع الأدلة التي تخدم إجراءاته القانونية ضد الطرف الآخر.
فقد يبدأ بتصوير الطفل، أو توثيق ملابسه أو تصرفاته، اعتقاداً منه أن ذلك يثبت وجود إهمال لدى الطرف الحاضن.
ولا مانع من التوثيق إذا كان الهدف حماية مصلحة الطفل، لكن المشكلة تكمن عندما يستخدم لخدمة مصالح شخصية أو لإثبات ادعاءات قانونية على حساب راحة الطفل.
كما أن بعض الآباء أو الأمهات يقضون الزيارة في الحديث بسلبية عن الطرف الآخر، فيقول أحدهم: «تصرفاتك أصبحت مثل أمك» أو «أصبحت مثل أبيك»، وهي عبارات تسيء إلى الطفل، لأنه امتداد لوالديه.
ومن الأخطاء أيضاً تحويل الزيارة إلى جلسة تحقيق، فيسأل الطفل: أين ذهبتم؟ ومن كان معكم؟ ومع من تحدث والدك أو والدتك؟ وهي أسئلة هدفها إشباع فضول شخصي أو جمع معلومات عن الشريك السابق، مما يجعل الطفل ينفر من الزيارة.
وقد لا يقع كل ذلك، لكن بعض الآباء ينشغلون أثناء الزيارة بالعمل أو بالهاتف المحمول، فلا يمنحون الطفل اهتمامه الكامل، فيشعر الطفل بأنه غير مهم.
أما الأخطاء المشتركة بين الطرفين، فتتمثل في المشاحنات التي تحدث أمام الطفل أثناء تنفيذ الزيارة، سواء في مراكز التنفيذ أو غيرها، فيربط الطفل الزيارة بالخوف والقلق والتوتر، ويرفضها لاحقًا.
وأستذكر طفلاً كان يقول: «أنا أحب زيارة والدي، لكن قبل الزيارة بيوم لا أستطيع النوم، وأشعر بالتوتر؛ لأنني أعلم أن مشكلة ستقع بين أمي وأبي». وهذه من أكثر الصور التي تعكس حجم الأثر النفسي الذي قد تتركه تصرفات الوالدين على الطفل.
وأؤكد أن تنفيذ الحكم، رغم أهمية جهود الأخصائيين الاجتماعيين في مراكز تنفيذ الزيارة، يعتمد في المقام الأول على الوالدين، وعلى طريقة تعاملهما مع بعضهما بعضاً، وقدرتهما على إيصال رسالة إلى الطفل مفادها أن زيارته للطرف الآخر أمر طبيعي، وأنه ليس مضطراً إلى الاختيار بين والديه أو تفضيل أحدهما على الآخر؛ فبهذه الطريقة نتجنب وقوع الطفل في صراع الولاء.
إذا كان تعطيل الزيارة من قبل الطرف الحاضن، من خلال الاعتذار المتكرر أو عدم تنفيذ الزيارة، فما أثر ذلك في الطفل، خاصة أنه الحلقة الأضعف في هذا النزاع؟
التأثيرات كثيرة ومتعددة. فعندما يمنع الطفل من الزيارة أو تعطل لفترات طويلة، فإنه يبدأ بالتساؤل داخليًا: لماذا لا أرى أمي أو أبي مثل بقية الأطفال؟ ولماذا لا أستطيع التواصل معه أو الاتصال به؟
وفي النهاية قد يعيش الطفل وكأنه فقد أحد والديه، في حين أنه حرم فقط من جزء أساسي من العملية التربوية التي يحتاجها. فالله سبحانه وتعالى خلق الأم والأب ليكمل كل منهما الآخر في تنشئة الطفل، وغياب أحد الدورين يترك أثراً واضحاً في حياته.
فالأم تمثل الحب والاحتواء والحنان، والأب يمثل الحماية والدعم، وعندما يتكامل هذان الدوران، حتى بعد الانفصال، نُسهم في تنشئة طفل متوازن، يمتلك المهارات اللازمة لمواجهة الحياة.
أما عندما تُمنع الزيارة لأشهر أو سنوات، فإن الآثار تمتد إلى جوانب عديدة، فقد تظهر مشكلات صحية، أو اضطرابات نفسية مثل القلق والكوابيس والأحلام المزعجة، إضافة إلى مشكلات اجتماعية، فيصبح الطفل أقل قدرة على التواصل مع الآخرين، كما قد تتأثر دراسته ومستواه التعليمي.
وأستذكر حالة لطفل قال إنه لم يستطع أن يدعو والديه معًا لحضور حفل تخرجه، لأنه كان يعلم أن حضور أحدهما سيغضب الآخر، بينما كان يشاهد زميلاً له، رغم انفصال والديه، يحضران معاً جميع المناسبات الخاصة به، ويضعان خلافاتهما جانبًا من أجله.
هذه المواقف تترك آثاراً عميقة في نفسية الطفل، وتمتد إلى أفكاره وقناعاته ومستقبله، ولذلك نحرص دائماً على التأكيد على أهمية عدم تعطيل الزيارة أو حرمان الطفل من حقه في التواصل مع كلا والديه.
إذا كان الأب أو الأم متقبلاً للانفصال، ويريد أن يجعل وقت الزيارة تجربة جميلة تبقى في ذاكرة الطفل، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟
من المهم أن يستثمر الطرف غير الحاضن وقت الزيارة في بناء علاقته مع الطفل، بدلاً من استغلالها في الاتهامات أو تحقيق مصالح شخصية.
فالزيارة ليست مجرد اصطحاب الطفل إلى مكان ترفيهي ثم العودة، وإنما هي فرصة لبناء جسور قوية من الروابط الأسرية.
على الأب أو الأم أن يتعرف إلى اهتمامات الطفل وهواياته، فلكل طفل اهتماماته الخاصة. فإذا كان يحب الألعاب الإلكترونية أو كرة القدم، فليشاركه هذه الهوايات، وإذا كانت الطفلة تميل إلى إعداد الحلويات أو قراءة الكتب، فمن الجميل مشاركتها هذه الأنشطة، أو تسجيلها في دورات تناسب اهتماماتها، أو حتى متابعة محتوى تثقيفي معها عبر وسائل التواصل.
كلما اقترب الوالد من عالم الطفل وشاركه اهتماماته، وتعامل معه بما يحبه هو، لا بما يحبه الكبار، أصبحت تجربة الزيارة أكثر إيجابية.
وأحب أن أؤكد هنا أن الطفل الذي يبلغ اليوم سبع أو ثماني سنوات، سيصبح بعد سنوات شاباً في الخامسة والعشرين أو الثلاثين من عمره، وسيسترجع ذكرياته مع والديه. لذلك، علينا أن نجعل أبناءنا يقولون مستقبلاً: «صحيح أن والديّ انفصلا، لكن كل واحد منهما صنع معي ذكريات جميلة، وتعامل معي بمحبة، ولم يُدخلني يوماً في خلافاته».
يتردد كثيراً مصطلح «الطلاق الحضاري». كيف يمكن تحقيق هذا النوع من الطلاق رغم وجود خلافات أو قضايا بين الطرفين؟
ثقافة الطلاق الحضاري تعني أن تنتهي العلاقة الزوجية، ويختار كل طرف طريقه في الحياة، لكن يبقى هناك طرف ثالث يجمعهما، وهو الطفل.
ومن هنا، يجب أن يتعاون الأب والأم من أجل مصلحة الطفل، وأن يتركا جميع الخلافات والمواقف السلبية التي حدثت بينهما، مهما كانت مؤلمة، وأن يركّزا على دعمه نفسياً وتربوياً.
ويتحقق الطلاق الحضاري عندما يدعم كل طرف الآخر في العملية التربوية، فإذا قالت الأم للطفل إن والده منعه من أمر معين حفاظًا على مصلحته، فإنها تدعم دوره التربوي، وكذلك يفعل الأب عندما يحترم توجيهات الأم المتعلقة بتربية الأبناء.
كما أن احترام الأحكام القضائية، والالتزام بمواعيد الزيارة، واحترام الطرف الآخر، وعدم التشاحن أمام الطفل، أو الحديث عنه بسوء، وعدم إشراك الطفل في النزاعات، كلها ممارسات تجسد مفهوم الطلاق الحضاري، وتمنح الطفل الشعور بالأمان والاستقرار رغم الانفصال.
كيف أتعامل مع شريكي السابق في ظل ثقافة الطلاق الحضاري؟ ففي بعض المناسبات الاجتماعية أو الظروف قد يجتمع الطرفان، فكيف ينبغي أن تكون طبيعة التعامل بينهما؟
كل علاقة في الحياة تقوم على أساس الاحترام، وعندما أحترم الطرف الآخر، ولا أدخل طفلي في الإشكاليات، أو استخدمه وسيلة للضغط في القضايا المالية أو القضائية، فإن الطرف الآخر سيبادلني الاحترام؛ لأنه يدرك أنني لا أستخدم الطفل ضده.
كما أن الحديث الإيجابي عن الشريك السابق أمام الأبناء من أهم الممارسات التي تعزز استقرارهم. فمن الجميل أن يقول الأب لأبنائه: «أمكم تبذل كل ما تستطيع من أجلكم»، أو تقول الأم: «أبوكم يحبكم ويحرص عليكم».
ومن المهم أيضاً ألا أستخدم الطفل للحصول على معلومات عن حياة الشريك السابق. فبعد الانفصال، ليس من اختصاصي أن أعرف أين ذهب أو ماذا فعل أو مع من كان، وإنما يجب أن ينحصر التواصل بيننا في كل ما يتعلق بالطفل وبتوفير حياة مستقرة له. وهذا من أكثر الأخطاء التي تقع بعد الانفصال، إذ ينشغل بعض الأطراف بتتبع حياة الشريك السابق بدلاً من التركيز على مصلحة الأبناء.
تطرقتِ خلال الحوار إلى عدد من النماذج والقصص الواقعية، وهي بلا شك جزء بسيط مما تتعاملون معه يومياً، حيث يكون الطفل هو الضحية. كيف تتعاملون في النيابة العامة مع هذه الحالات، سواء كان الطفل قد تعرض للاستغلال أو التلقين أو استُخدم في بلاغات كيدية بين الوالدين؟ وكيف تعملون على حماية استقراره النفسي والاجتماعي؟
الأطفال الذين ترد قضاياهم إلى النيابة العامة، أو يكونون طرفاً في إحدى القضايا، يحصلون على أعلى درجات الضمانات النفسية والاجتماعية، سواء خلال مرحلة التحقيق أو أثناء دراسة الحالة.
فعند مقابلة الطفل، نحرص على طرح الأسئلة بطريقة تتناسب مع عمره وإدراكه، ونتبع أساليب متقدمة في التعامل معه، من بينها استخدام الرسم للتعرف إلى طبيعة الإشكالية التي يعيشها.
ففي بعض الحالات نطلب من الطفل أن يرسم أسرته، ومن خلال الرسومات نستطيع أن نتعرف إلى طبيعة العلاقات داخل الأسرة، فقد يرسم نفسه في المنتصف، والأب في جهة، والأم في جهة أخرى، أو يعبر عن النزاعات الأسرية بطريقة غير مباشرة، وهو ما يساعدنا على فهم حالته النفسية والاجتماعية.
كما نحرص على معرفة ما إذا كان الطفل قد تعرض للتلقين أو التحريض، أو استخدم لتحقيق أغراض كيدية، ولدينا أكثر من أسلوب للكشف عن ذلك، من بينها طرح السؤال نفسه بأكثر من طريقة.
فالطفل الملقن غالبًا يستطيع تكرار الإجابة التي حفظها بطريقة واحدة فقط، بينما يجد صعوبة في الإجابة عندما يعاد السؤال بصياغات مختلفة. كذلك فإن طريقة حديث الطفل قد تكشف التلقين، فليس من الطبيعي أن يتحدث طفل في السادسة من عمره بلغة أو بمفاهيم تفوق سنه بكثير، وكأنه شخص بالغ، ومن خلال هذه المؤشرات، إضافة إلى الخبرة المهنية للباحثين الاجتماعيين والنفسيين، نستطيع التحقق من وجود التلقين من عدمه.
بعد دراسة الوضع الاجتماعي والنفسي للطفل، وإجراء التقييم اللازم، نحيل الحالات التي تحتاج إلى دعم إضافي إلى مبادرة «رعاية»، وهي مبادرة متخصصة في معالجة الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالقضايا، سواء للأطفال أو الأسر أو النساء أو غيرهم.
وتعمل المبادرة على تقديم جلسات للتفريغ الانفعالي، ومساعدة الطفل على التخلص من الآثار النفسية والسلوكيات والأفكار السلبية التي نتجت عن الخلافات الأسرية.
كما نقوم، عند الحاجة، بإحالة الطفل إلى الجهات المتخصصة، مثل مركز حماية الطفل أو وزارة التنمية الاجتماعية أو مستشفى الطب النفسي، بحسب طبيعة الحالة.
وأستذكر حالة لطفلة تعرضت لأضرار نفسية كبيرة نتيجة الخلافات المستمرة بين والديها، حتى وصلت إلى مرحلة إيذاء نفسها. وبعد دراسة حالتها، تمت إحالتها إلى مستشفى الطب النفسي، وبدأت في تلقي الجلسات العلاجية اللازمة، مع استمرار متابعة حالتها لضمان حصولها على الدعم المناسب.
ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى كل أسرة تمر بنزاع حول الحضانة أو الزيارة أو النفقة أو أي من القضايا المرتبطة بالطلاق، حتى يخرج الطفل من هذه التجربة بأقل قدر ممكن من الآثار السلبية؟
أهم رسالة أود توجيهها إلى كل أسرة تمر بخلافات تتعلق بالحضانة أو الزيارة هي أن الطفل ليس مسؤولًا عن حل صراعاتكم.
فالطفل في هذه المرحلة العمرية من المفترض أن يعيش طفولته بصورة طبيعية، وليس من واجبه أن يتحمل تبعات الخلافات بين والديه أو أن يعرف من المخطئ ومن المصيب.
كل ما يحتاج إليه هو أن يعيش في بيئة مستقرة، حتى وإن انتهت العلاقة الزوجية بين والديه. فالزواج قد ينتهي، لكن مسؤولية الأبوة والأمومة لا تنتهي، ويبقى بينكما طفل يحتاج إلى تعاونكما من أجل استقراره النفسي، فإن كل موقف أو تصرف يصدر من الأب أو الأم ينعكس على سلوك الطفل وشخصيته وحياته ومستقبله.
وأود أن أختتم بالتأكيد على أن الاستثمار الحقيقي بعد الانفصال هو الاستثمار في الطفل، من خلال توفير حياة مستقرة وآمنة له. فالنجاح الحقيقي بعد الطلاق لا يقاس بمن كسب القضية، وإنما بمن استطاع أن يحافظ على نفسية طفله، ويمنحه بيئة إيجابية ينمو فيها بصورة سليمة، ليصبح في المستقبل إنساناً متوازناً وناجحاً.