لم يكن واقع الإنسان يوماً رداءً نسجته مصادفات الأيام العابرة، أو خيوطاً عشوائية ألقتها المقادير على قارعة العمر؛ بل هو المرآة الصادقة لتوقعاته العميقة وترجمة حرفية لما ينطق به لسانه. الكلمة ليست عابرة، بل هي طاقة حية تسري في عروق الغيب لتشكل ملامح الغد والمستقبل ..

عندما يتوقع المرء الخير ويلهج لسانه بالبِشر، تفتح له الحياة أبوابها. أما إذا استسلم للتشاؤم وردد كلمات العجز، فإن الأيام تلبس الثوب الذي اختاره لنفسه.

لقد لخصت الحكمة العربية القديمة هذه الحقيقة الأدبية والكونية في عبارة بليغة تقول: «البلاء موكل بالمنطق». هذه الكلمات ليست مجرد نصيحة عابرة، بل هي قانون صارم يربط بين نطق اللسان وتجلي الأقدار. فكل لفظة يطلقها المرء، وكل فكرة يجسدها بصوته، تصبح كالمغناطيس الذي يجذب شبيهها من الأحداث.

يدعم هذا المعنى ويزيده عمقاً الأثر القائل: «أقداركم تؤخذ من أفواهكم». إنه تصوير أدبي بديع يجعل من الفم منبعاً ترسم منه الأقدار مساراتها. الكلمة الطيبة والتفاؤل الصادق هما بمثابة دعاء صامت يغير مجرى الحظوظ.

ولعل الموقف الذي استدعته ذاكرتي الآن يجسد بشكل مذهل الفكرة الأدبية والكونية التي تحدثنا عنها، فالواقعة الشهيرة للفنانة المصرية الراحلة سهام جلال التي اختارت «الرقم صفر» لتزين به كعكة عيد ميلادها الأخير قبل رحيلها المفاجئ، تعد مثالاً صارخاً لـ«هندسة الأقدار بالمنطق».

- رسالة أخيرة:قال تعالى «فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ» هذا هو دستور الحياة، والمفتاح السري الذي تفتح به مغاليق الأقدار، فالله سبحانه وتعالى لا يعاملنا بحجم تدبيرنا العاجز، بل يعاملنا على قدر ظننا به وبرحمته التي وسعت كل شيء.فالنطق واللسان هما المترجم الأول، والوعاء الظاهر لما يكمن في القلب من ظن وتوقع.