في توقيت بالغ الأهمية، جاءت الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، أثناء تفضل جلالته بحضور التمرين المشترك «درع البحرين»، لتعيد التذكير بأن الإسلام لم يكن يوماً غطاءً للصراعات، بل رسالة هداية ورحمة، وأن ما يجمع الأمة الإسلامية أكبر من أي خلاف سياسي أو حسابات إقليمية.ولعل أكثر ما حملته الكلمة من دلالات، قول جلالته: «وما يؤسفنا أكثر هو تجاهل إيران لما يُفترض أن يجمعنا بها من رابطة دينية، وتناسيها فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، التي أكسبت حضارتها عمقاً روحياً وإنسانياً ومعرفياً بعد عصور من الضلال. وإننا لنأمل أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح بترجيح كفة الأخوة الإسلامية، التي لا تستقيم إلا بالالتزام بقيم الشريعة السمحاء القائمة على العيش المشترك واحترام عهود حسن الجوار».
هذه الكلمات لا تتحدث عن الماضي فحسب، بل تستدعي التاريخ ليكون شاهداً على الحاضر، فالرسالة المحمدية وصلت إلى فارس دعوة بالحكمة، وعندما مزق كسرى رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بقي الإسلام وانتشر، وأصبحت بلاد فارس جزءاً أصيلاً من الحضارة الإسلامية، وخرج منها علماء وفقهاء ومفكرون أثروا التراث الإسلامي على مر القرون، فالفضل كان لرسالة الإسلام التي جمعت الشعوب تحت راية العقيدة، لا لهيمنة قوة أو اتساع نفوذ.ومن هذا المنطلق، فإن ما يؤلم اليوم ليس اختلافاً سياسياً، بل أن تصدر الاعتداءات والتهديدات من دولة يفترض أن تربطها بدول الخليج العربي رابطة الإسلام قبل الجغرافيا. فالشريعة الإسلامية لم تجعل حسن الجوار خلقاً مستحباً فحسب، بل جعلته حقاً ثابتاً، وأمرت بحفظ الدماء والعهود، ونهت عن العدوان والتدخل في شؤون الآخرين.
أما البحرين، فقد اختارت منذ تأسيس نهضتها الحديثة أن تكون دولة سلام، تؤمن بالحوار، وتدعو إلى التعايش، وتتمسك بالقانون الدولي، وتفتح أبوابها للتقارب بين الشعوب والأديان والثقافات. ولم يكن هذا النهج موقفاً ظرفياً، بل سياسة راسخة يقودها حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، وتقوم على أن السلام هو الخيار الأول، وأن الاستقرار هو أساس التنمية والازدهار.
لكن السلام لا يعني التغاضي عن الاعتداء، ولا يعني الصمت أمام ما يهدد أمن الوطن والمنطقة. فالدفاع عن الأوطان لا يتعارض مع مبادئ الإسلام، بل هو امتداد لها، عندما يكون الهدف حماية الإنسان وصون الأمن واحترام سيادة الدول.
إن الرسالة التي حملتها كلمة جلالة الملك المعظم واضحة؛ فالبحرين تمد يدها للسلام، لكنها في الوقت ذاته تدعو إلى سلام يقوم على الاحترام المتبادل، والالتزام بحقوق الجوار، والوفاء بالأخوة الإسلامية قولاً وعملاً، لا أن تبقى شعارات تُرفع بينما تُنتهك مبادئها على أرض الواقع.
ويبقى الأمل، كما عبّر عنه جلالة الملك المعظم، أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح، وأن تنتصر قيم الرسالة المحمدية التي قامت على الرحمة والعدل والعيش المشترك، لتكون أساس العلاقة بين أبناء الأمة الإسلامية، بعيداً عن الصراعات التي لا تخدم إلا الفوضى، ولا تنسجم مع جوهر الإسلام ولا مع رسالته الخالدة.