تكتسب دعوة بعض قادة الفصائل والكتل السياسية إلى استقالة رئيس الوزراء العراقي، الزيدي، دلالتها الحقيقية حين تُقرأ ضمن سياقها السياسي والأمني الأوسع، ولا سيما في أعقاب الهجوم الأمريكي السعودي المشترك على مقار الحشد الشعبي، وما خلّفه من اهتزاز في توازنات السلطة ومراكز النفوذ داخل العراق. فالقضية لا تتصل بتفسيرٍ انتقائي لمفهوم السيادة الوطنية، بقدر ما تكشف هشاشة المعادلة السياسية العراقية أمام صراع إقليمي ودولي تُدار فصوله على أرض العراق، فيما يظل القرار الوطني موزعاً بين استحقاقات الداخل وضغوط الخارج.
الهجوم لم يكن حدثاً أمنياً معزولاً، بل حمل في طياته رسالة سياسية تتجاوز استهداف مواقع محددة. فهو يعكس توجهاً لإعادة رسم حدود قوة النفوذ داخل العراق، وتقييد الأدوار التي تنظر إليها واشنطن والرياض بوصفها امتداداً للنفوذ الإيراني، أو عائقاً أمام ترتيبات إقليمية جديدة. وفي المقابل، لا يمكن فصل ردود الفعل العراقية والإيرانية عن إدراك مشترك بأن استهداف الحشد الشعبي يمس، في أحد أبعاده، معادلة النفوذ التي تشكلت منذ عام 2003، وأسهمت في ترسيخ حضور طهران داخل المشهدين الأمني والسياسي العراقيين.
وهنا تتجلى صعوبة موقع بغداد. فالولايات المتحدة تريد عراقاً مستقراً بالقدر الذي يحفظ مصالحها الأمنية والاقتصادية، لكن من دون أن يمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلال يتيح له الخروج من دائرة النفوذ الغربي. أما السعودية، فتنظر إلى العراق باعتباره ساحة مركزية لموازنة الحضور الإيراني واستعادة لدور إقليمي تراجع لسنوات أمام صعود لما اُصطلح عليه (محور طهران). في حين ترى إيران أن أي تراجع في نفوذها داخل العراق قد يفتح ثغرة في منظومة أمنها القومي وجغرافيا تمثل عمقها الجيوسياسي.
واشنطن، اعتمدت على مدى سنوات، على مقاربات احتوائية متعددة تجاه طهران، أي عبر تفاهمات مباشرة وأخرى غير معلنة (غزو أفغانستان - غزو العراق - الاتفاق النووي 2015). غير أن هذه المقاربات لم تُنتج استقراراً عراقياً قابلاً للاستدامة، بل وأسهم في تكريس واقع سياسي مضطرب لم يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية إقليمياً، كما لم يسمح بقيام دولة عراقية مكتملة السيادة وقادرة على إدارة توازناتها بعيداً عن إملاءات خارجية.
من هذا المنظور، تبدو الدعوة إلى استقالة الزيدي جزءاً من محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي عراقيا وبما يعزز وزن الكتلة الموالية لإيران، أكثر مما تعبر عن استجابة حقيقية لإرادة عراقية جامعة. فالمشكلة لا تكمن في تغيير رئيس الحكومة بحد ذاته، بل في استمرار آلية إنتاج حكومات ضمن القواعد ذاتها التي تجعلها رهينة لتوازنات خارجية واصطفافات داخلية.
العراق لا يحتاج إلى تسوية مؤقتة ترضي طهران أو واشنطن، ولا إلى تبديل الوجوه داخل بنية سياسية ثابتة. فما يحتاجه هو إرادة وطنية حقيقية تستعيد الدولة من هوامش المعادلات الإقليمية والدولية، وتؤسس لقرار عراقي مستقل يُقدم مصالحه على ما سواها.
يبقى سؤال أخير؛ هل كان نجاح المقاربة الإقليمية الأمريكية في سوريا هي نقطة التحول في رؤية الولايات المتحدة لعموم القضايا الإقليمية (لبنان - العراق - وربما اليمن - العودة لملف غزة - تأجيل الضربة العسكرية القاصمة لإيران)، وهل يُعد ما تقدم أعلاه توطئة لتخليق وكالة إقليمية. وفي حال قبولنا بتلك الفرضية؛ فما هو موقع مجلس التعاون منها؟