ليس كل من اختار أن يعيش خارج وطنه أصبح خصماً له، فهناك من غادر بحثاً عن الاستزادة من فرص الدراسة أو فرص عمل أو حياة مختلفة، وظل قلبه مع وطنه، يفرح لإنجازاته ويحزن لحزنه، ويمارس حقه في إبداء الرأي بمسؤولية واحترام ووطنية صادقة.
في المقابل هناك من جعل من المسافة منصة لإشعال الأزمات، ومن الشائعات وسيلة للتأثير، ومن المبالغات والأكاذيب مادة يومية لبث الإحباط وزرع الشكوك، هؤلاء لن يفرحوا بأي إنجاز يتحقق، بل سيبحثون عن أي حدث يمكن توظيفه لتغذية رواياتهم السلبية، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.
قد يختلف الإنسان مع بعض الجوانب، وهذا حق يدخل في إطار النقاش العام، ويكفله الدستور وهو من أصول الديمقراطية، لكن ثمة فارقاً كبيراً بين من يبحث عن الإصلاح والخطاب وبين الذي لا يرى في الوطن إلا ساحة لتصفية الحسابات، فبعض الأصوات لا هم لها إلا محاربة الوطن وتبرير كل ما يضر به، عبر ترويجها لخطابات الانقسام والبحث عن الأعذار لكل من يهدد أمن المجتمع، أو يعتدي على سيادته، حتى إن بعضهم لم يكتف بالصمت تجاه الاعتداءات الخارجية، وإن كان الصمت بحد ذاته جريمة في حق وطنه، بل سارع إلى تبريرها أو تصويرها على أنها مبررة أو مستحقة.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يقيس الأحداث بميزان المبدأ والحقيقة والعدل، بل بميزان الخصومة، فإذا وقع الضرر على وطنه، انشغل بالبحث عن مبررات للمعتدي بدل إدانة الاعتداء، وإذا تحقق إنجاز لوطنه، سارع إلى التشكيك فيه أو التقليل من شأنه، فحين تصبح الخصومة معياراً للحكم على كل شيء، يغيب الإنصاف، وتضيع الحقيقة ويتحول الوطن إلى مجرد أداة في معركة سياسية لا تنتهي.
المقصود هنا ليس اختلاف الرأي أو تنوع المواقف، حتى وإن كان كذلك فالوطن ليس مسرحا للرأي، وإنما ذلك الخطاب الذي يجعل من الدفاع عن أي اعتداء على الوطن وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو إعلامية.
إن النقد المسؤول قيمة لا غنى عنها في أي مجتمع، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى إنكار لكل إنجاز، أو إلى ترويج لمعلومات غير موثقة، أو إلى خطاب لا يرى في الوطن إلا الإخفاقات، فالوطن لا يُقاس بمكان الإقامة، وإنما بالموقف منه، ومن يحب وطنه لا يشوه الحقائق، أو يسيء إلى من يعيشون فيه، فالبعض يرى في كل نجاح خسارة لمشروعه، وفي كل استقرار عقبة أمام خطابه، لذلك فإن المعيار الحقيقي ليس من بقي في الداخل ومن غادر إلى الخارج، بل من التزم بالحقيقة، ومن جعل مصلحة وطنه فوق أي حسابات أو خصومات.
بعض الخطابات تنزعج من نجاح الوطن، لأنها بنت سرديتها وراويتها على انهيار وفشل الكل، لذلك فإن أي إنجاز يتحقق يضع تلك السردية أمام اختبار صعب، فيلجأ أصحابها إلى التقليل من الإنجاز أو التشكيك فيه أو تقديم روايات لا تستند إلى حقائق، حينها يصبح الخصام مع الوطن هوية، ويتحول أي خبر إيجابي إلى مشكلة، وأي إنجاز إلى مادة للتشكيك، وأي استقرار إلى رواية يجب نفيها.
باختصار، يبقى أمن الوطن ووحدته وسيادته خطاً أحمر لا يقبل مساومة أو تبرير.