أحدث نفسي بحياة أشبه بالحلم، عندما تتعدد فيها المواقف المؤلمة، ومواقف العظة والاعتبار، فلا أجد أجمل من أن نكون على قدر من اليقين بأقدار المولى الكريم، ولا أجمل من أن نمضي قدماً في طريق اعتدنا أن نكون فيه أصحاب عطاء، أوفياء لمبادئ الخير والإحسان والإبداع، فلا نرضى أبداً أن نكون أسرى تحت وطأة الظروف القاهرة، ولا تحت وطأة الآلام والأحزان التي تعطل ركب النجاح. نؤمن إيماناً ويقيناً بمعاني الآية القرآنية: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا»، ونؤمن أن الأقدار مكتوبة في كل لحظة نعيشها، فلا نعلم ما ينتظرنا في الغيب. أحدث نفسي بحلم الحياة، الذي أصبح بالفعل محطة عابرة من محطات نفوسنا، سنرحل عنها ولو بعد حين. نكتب آثارنا، ونجدد عطاءاتنا، ونستمر في لحظات الخير بالإحسان والمسارعة إلى الخيرات. إنه خير استثمار للحياة، وكثيراً ما أحاكي نفسي، وأوصي أهلي وأصحابي الأعزاء بدعاء جميل:
«اللهم استعملنا ولا تستبدلنا». فاصطفاء الله تعالى لنا في طريق الخير هو اصطفاء خاص، وخاسر من تلكأ عن المسير، وانشغل بهوامش الدنيا على حساب نيات الآخرة. وخاسر من خسر فرصة الاصطفاء، ولم يستيقن بعد أنه خُلق ليكون خير خليفة لله تعالى في أرضه.
أحدث نفسي بذلك الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وباستدامة الأثر وامتداده واتساعه في حياة البشر، فلا ينبغي أن نختار العطاءات والمبادرات على أنها حدث يقع ويمضي، تُبذل له الجهود، وتُستنزف الأموال بلا مردود حياتي ولا أخروي، بل من العقلانية والصواب أن نبدأ النجاح قبل النجاح نفسه، وأن نفكر في تلك الأفكار المستدامة الأثر والثواب، التي يمتد خيرها، وتنعكس صورها الجميلة لفترات طويلة، وينتشر أثرها في مساحات واسعة من المجتمع. نفكر في النجاح في كل الخطوات، ونحسن اختيار الفكرة الأجمل، ونستثمر ما بعد الفكرة أكثر من تنفيذها، فهنا تكمن فرص الاستثمار الحقيقي، وهنا تبدأ مكامن الخير.
أحدث نفسي عن أناس مُخلصين، همهم الأول إسعاد الآخرين، والمشي في حاجاتهم، ونجدة المحتاجين أصحاب الظروف القاهرة. عن أناس عاملوك بحب، وأخلصوا معك في المسير، وقابلوك بابتسامتهم الصادقة، وذكروك بماضي العطاءات الجميلة، وحضروا معك مجالس الخير.
أناس ليس همهم المناصب والكراسي الزائلة، ولا يدخلون في ساحة المعارك المحتدمة والتصادمات العنيفة، ولا يأبهون بالمزايا الوظيفية التي يؤمنون أنها أرزاق من المولى الكريم، إن هم أحسنوا النيات، وأخلصوا في الأعمال، وصدقوا مع الله عز وجل. ومع مرور الأيام أيقنت أن هناك أفرادًا لم تغيرهم الأيام، فهم كانوا وما زالوا عنوانًا للصدق والوفاء والعطاء. وفي الوقت ذاته، ما زالت بعض العقول تعيش صدامات نفسية داخلية، تعنونها خارجياً بأصداء من الغدر والتأفف وعدم الارتياح. عقول تمثل عبئاً حقيقياً على مساحات العمل، وتعطل ركب نجاحها، لأنها بالفعل لم تُصفِّ نواياها لساحة الخير التي تمضي في مسيرها، وكتبت كلماتها على جدران صمّاء، انكشفت من خلالها أستارها!
أحدث نفسي عندما تتقاذف حكايتي بعض العواصف الحياتية التي لا بد منها في مسيرة النجاح، فأقول: يا تُرى كيف حال أولئك الذين يتعمدون أن يتصيدوا في الماء العكر؟ وكيف ينظرون إلى صور الحياة على أنها انعكاسات سلبية على نفوسهم، وهم يعتقدون دوماً أنهم على صواب، وغيرهم على خطأ، بل لم يحسنوا يوماً الظن بالآخرين؟ أحدث نفسي بتلك المطبات التي تعترض طريق النجاح، فلا أجدها سوى هوامش مزعجة، وتافهة في الوقت ذاته، لا ينبغي أن نعيرها أي اهتمام، ولا أن تؤخر خطوات نجاحنا ولو خطوة واحدة. بل أعتبرها قوة بعد قوة، تدفعني لأن أكون ذلك المؤثر الدائم في حياة الآخرين، وصاحب البصمة المعتادة التي يضعها أينما حل وارتحل.
أحدث نفسي بتلك الجلسة القرآنية الجميلة، التي نُعلم فيها تلاوة كتاب الله، ونتأمل ونتدارس معاني الآيات، مع بسطاء من أهل المسجد، صبر منهم من صبر، وانضم إلى الركب من أحب اللقيا على مائدة كتاب الله الكريم، حتى أضحت هذه الجلسة عنواناً لغذاء الروح، وزاداً جميلاً في طريق الله تعالى نحو الفردوس الأعلى. تأملت الأيام والسنوات، فوجدتها قد مضت، وصبرنا فيها حتى حان إتمام ختمة كاملة مجوّدة. جلست متأملًا في تلاوة آيات من سورة الحديد، يجب أن نتذاكرها ونتأمل معانيها، ووقفت معها متأملاً حال النفس، ومستمتعاً بمعاني أسماء الله الحسنى: «سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم». ويتعمق المعنى في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، الذي ورد أنه كان يردده عند نومه: «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر».
ومضة أمل
حكايتنا مستمرة.. بأجمل رسائل العطاء وبصمات الخير، والأثر الجميل على امتداد مساحات الحياة.. نسأل الله تعالى العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، ونسأله الثبات على الاستقامة وحُسن الخاتمة.