وصلت خطة ترامب (مجلس السلام الآن) بشأن غزة إلى مفترق طرق، إذ إن كل عتبةً تفاوضية تمتحن بمفهوم انتزاع سلاح حماس الذي يُشرعن تسيدها المشهد في غزة كسلطة الأمر الواقع.

حماس تناور بشكل محسوب أمر نزع سلاحها، فهو وسيلة تأكيد شرعيتها دون تحقيق أي مكتسبات سياسية فلسطينية. وعلى الرغم من أن قبولها التخلي عن السلاح ضمنياً في المرحلة الأولى من تنفيذ خطة ترامب، إلا أنها ربطته فوراً وجميع الخطوات المستقبلية بمناقشات «ضمن إطار فلسطيني موحد تشارك فيه حماس» دون تعريف لذلك الإطار.

ولنتأمل هذا التصريح الصريح من منظور حماس؛ «عند مناقشة تسليم السلاح، يجب أن نسأل: لمن سنسلمه؟ هل توجد دولة أو حكومة فلسطينية شرعية لتتسلمه؟».

يكشف هذا السؤال البلاغي عن استراتيجية حماس المزدوجة. فمن خلال تصوير استحالة نزع السلاح من دون طرف فلسطيني ذي سيادة، وهو شرط ربما استبعد عمدًا من الإطار الحالي (دون المساس بمبدأ حل الدولتين)، إلا أن حماس تستمر في تخليق مفارقات لا تراعي الواقع الإنساني في غزة أو مآلات استدامة ذلك أو انعكاساته على مسارات مُتصلة.

فالعواقب ثنائية الوقع مدمرة في الحالتين. فإذا توقفت المحادثات، تحتفظ حماس بسلاحها، وتلقي باللوم على إسرائيل. وإذا قدّم المجتمع الدولي تنازلاً، تكرس حماس شرعيتها بقوة سلاحها.

هذه الديناميكية ستقوض من الأهداف الأساسية لخطة مجلس السلام. ففي حين ينص الاتفاق على نقل المسؤولية الأمنية إلى قوة استقرار دولية، وإدارة الحكم إلى سلطة تكنوقراط فلسطينية، تتعامل المفاوضات الحالية مع حماس باعتبارها الحاكم الفعلي لغزة. وهذا التناقض ينسف مسرعات إصلاح السلطة الفلسطينية من خلال تهميش المؤسسة نفسها التي يُفترض أن تحكم غزة.

وتفاقم أفعال إسرائيل في الضفة الغربية من هذه الأزمة. فالتوسع الاستيطاني المستمر والعمليات العسكرية يتعارضان مع إطار حل الدولتين الذي تتبناه الخطة. وكما أكد ولي العهد السعودي: «نحن نسعى إلى اتفاق سلام، ولكن فقط مع وجود مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية». إلا أن حالة الانفلات الأمني والاستيطاني في الضفة الغربية تشلّ قدرة شركاء إسرائيل الإقليميين في تعزيز قيمة مسارات موازية.

وقد يجادل البعض بأن إشراك حماس هو الطريق الواقعي والوحيد في تحقيق اختراقات مأموله، وأن استبعادها يضمن استدامة لحالة العنف. لكن هذا المنظور يخلط بصورة خطيرة بين واقعية أثبتت فشلها من منظور دلالات الشرعية. فالتواصل المؤقت معها لأغراض إنسانية أمر، وكذلك أمر إقناعها بالتحول إلى قوة سياسية مدنية لا بوصفها سلطة حكم أمر واقع في غزة بإرادة سلاحها فقط.

والحقيقة الأكثر إلحاحاً في معادلة احتواء حماس، هي فرضية قبولها بإعادة التأهيل سياسياً على غرار النموذج السوري. فذلك سيتطلب أولاً تحولاً في عقيدة حماس السياسية، أما ثانياً، فإن ذلك سيتطلب وجود أكثر من ضامن إقليمي ودولي، وقبول حماس قبل إسرائيل أن تكون ضمن رؤية فلسطينية انتقالية لا صاحبة مشروع خاص بها.

إن كسر هذه الحلقة يتطلب تحركاً فورياً. أولاً، يجب على المجتمع الدولي أن يتوقف عن التعامل مع حماس باعتبارها الشريك التفاوضي الأوحد والشرعي في غزة. ويجب إشراك السلطة الفلسطينية، مع وضع آليات واضحة تضمن امتثال حماس لنزع السلاح من دون أن تفرض شرعيتها بقوة سلاحها فقط.

ثانياً، يجب على إسرائيل أن تُظهر عبر خطوات ملموسة تتجاوز أبدا النوايا عبر وقف التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين ومحاسبتهم قانونياً على ما ارتكب من جرائم بحق فلسطينيين عُزل. فهذه الإجراءات هي شروط مسبقة لمشاركة إقليمية ذات قيمة، وأن لا ترحل إلى ما بعد الانتخابات في أكتوبر القادم.

مبادرات السلام في الشرق الأوسط تفشل ليس فقط عندما تقوّي عن غير قصد، القوى التي تسعى إلى تحييدها، بل تشرعن حتمية استدامة الصراعات. ويجب علينا والآن أن نختار عنواناً أشمل وهو إعادة الاستقرار وفرضه كمفهوم يكون رافعةً إقليمية مشتركة.

وكذلك رفض الاحتكام لقوة السلاح في فرض شرعية وطنية أو أن يُحتمل أو يهادن مثل ذلك إقليمياً. وكذلك فرضية القبول الإقليمي باحتكام أي دولة للقوة دون مسوغ سياسي أو قانوني في فرض إرادتها السياسية. ولتكن غزة أول امتحان لتلك الإرادة الإقليمية المشتركة في إعادة تأهيل غزة بدل إعمارها.