يقولُ المثل: «لا حياةَ مع اليَأْسِ، ولا يَأسَ معَ الحياة»، ويقولُ آخر: «لا تَيأسْ؛ فإنّ اليأسَ طريقٌ سهلٌ لا يسلكه إلا العاجزون».

واليأسُ والقنوطُ ضدُّ الرجاء والأمل، ويدلان على انقطاعُ الطّمع في حصولِ المطلوب مِنَ الخير، أو زوالِ الشدّةِ، وهُما مِنْ أمراضِ القلوب، ومِنْ ألدِّ أعداء الإنسان؛ إذ يطفئان جذوة الأمل، ويقودان إلى الكسل وتركِ العمل، ويحرمان الإنسان صفاء النفس، وهدوءَ البال، وطمأنينة القلب، وراحة الجسد، وقد يحوِّلان حياته إلى عذاب نفسي، وألَم، وتِيهٍ، وضياع، وحيْرة، وتردّدٍ، وهلاكٍ، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «الهلاك في اثنتين: القنوط والعُجْب».

واليأسُ والقنوطُ من أسلحةِ الشيطان التي يحارب بها عبادَ الرحمن، ويخوِّفهم بها، ويصدُّهم عن التوبة والعودة إلى الله تعالى؛ فمن ييأس من لطف الله وفضله، ويُعرض عن ذِكره ودينه، تصبح حياتُه نكداً وعذاباً وقلقاً مستمرّاً.

وقد أمر الله تعالى بعدم اليأس من رحمته وفَرَجِه، فقال سبحانه: «وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ»، «يوسف: 87»؛ فإنّهم، لكفرهم، يستبْعِدون رحمته، ويرونها بعيدةً عنهم. قال الإمام ابن عطية الأندلسي رحمه الله: ««جعل اليأس مِنْ رحمة الله وتفريجه مِنْ صفات الكافرين؛ إذ فيه إمّا التكذيب بالربوبية، وإما الجهلُ بصفات الله تعالى» كما جعلَ سبحانه القنوّط مِنْ صفات الضالين، فقال: «وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ»، «الحجر: 56»، أي الذين لا علم لهم بربّهم وكمال اقتداره، والقنوطُ مِنْ رحمة الله كبيرةٌ من الكبائر كالأمن مِنْ مكره، كما قال البغوي.

ولذا فإنّ المسلم يطلب رحمة الله في جميع أحواله؛ فيرجو رحمته عند المصيبة، وعفوه إذا وقع في المعصية، ورزْقه عنْد ضيق ذات اليد، كما يرجو انفراج الشدة، وزوال الخطر، وشفاء المرض، وقضاء الدين، والخروج من المشاكل والمحن والمصائب والخسائر مهما عظمت، وهو يثق بربه، وبكرمه ولطفه ورحمته، مع الأخذ بالأسباب، ويوقن أنّ بعد الليل صبحًا، وأنّه مهما اشتدّ الكرب، أو طالَ المرض، أو ضاقت به السبل فإنّ فرَجَ الله قريب، ورزقه آتٍ من حيث لا يحتسب، وأنّ دعاءه لن يضيع عند ربه، بل يستجيبُ له بما هو خير له وفي الوقت الذي تقتضيه حكمة الله تعالى.

ولـــربَّ نازلةٍ يضيق بها الفتىذرعاً، وعند الله منها المخرجُكمُلت فلمّا استحكمت حلقاتهافُرجت، وكان يظنها لا تُفرجُ

شمعة أخيرة: اليأس والقنوط ينافيان كمال الإيمان، بينما الرجاء وحسنُ الظن بالله يبعثان على العمل، والصبر، والثبات. قال ابن الجوزي رحمه الله: «إياك إياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء؛ فإنّك مبتلى بالبلاء، متعبّد بالصبر والدعاء، ولا تيأس مِنْ رَوْحِ الله وإنْ طالَ البلاء»، «صيد الخاطر، ص: 439».