في السابع من سبتمبر عام 1940 وخلال الحرب العالمية الثانية، كانت العاصمة البريطانية لندن تتعرض لقصف جوي مكثف خلال ثمانية أشهر متواصلة من قبل ألمانيا حيث دمرت آلاف المنازل وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وفي تلك الظروف أدركت الحكومة البريطانية أن الحرب ليست حرب طائرات ومدافع فقط، بل هي أيضاً حرب على الروح المعنوية، لذلك لعبت الإذاعة البريطانية BBC دوراً استثنائياً حيث قدمت المعلومات بصدق وشفافية، وبثت خطابات رئيس الوزراء ونستون تشرشل التي أصبحت مصدراً لرفع المعنويات. هذه القصة تؤكد أن الإعلام لا يحمي حدود الدولة فقط، لكنه يحمي وعي المجتمع والثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه، فالإعلام الوطني ذو المصداقية يبني ركائز الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي والأمن الوطني والقومي. ومع الثورة الرقمية التي نجابهها اليوم أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، القوة الناعمة اليومية التي تتشكل فيها الأفكار والقيم، وأصبح الإعلام المسؤول من أقوى الأسلحة التي تدخل في معادلات الحروب، ومنها الحروب النفسية على المجتمعات. فالإعلام الوطني المسؤول، يمثل أحد أهم أدوات الأمن الوطني ليس لأنه يحمي الحدود الجغرافية للدولة فحسب، بل لأنه يحمي حدود الوعي والانتماء.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن نحو 99% من سكان البحرين يستخدمون الإنترنت فيما يستخدم أكثر من 75% وسائل التواصل الاجتماعي بصورة نشطة، وقد حققت المملكة تقدماً ملحوظاً في التحول الرقمي مع بداية 2025 مسجلة أرقاماً قياسية فهناك 1.19 مليون مستخدم نشط في البحرينيين يفضلون المحتوى المرئي على منصات التواصل. وهذه الأرقام تعني أن الإعلام الرقمي التفاعلي أصبح البيئة اليومية التي تتشكل فيها الأفكار، وتبنى فيها القيم، وتصنع من خلالها الهوية الوطنية؛ مما يعني أنه يشكل الركيزة الأساسية في بناء هوية الأمن الوطني والقومي، حيث لم يعد التأثير يقتصر على نشر الأخبار، بل امتد إلى الثقافة وأنماط السلوك والتفكير وترسيخ القناعات والاتجاهات وطبيعة الأنشطة والتفاعل الإلكتروني وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية وكذلك الأمنية والأخيرة هي بالتأكيد الأهم.

ومن هنا تأتي أهمية الاهتمام بالإعلام الوطني المسؤول وكذلك إعلام القوة الناعمة في تعزيز الهوية الوطنية والمواطنة الصالحة ليست حمل الجنسية البحرينية فحسب، بل احترام القوانين وتفعيل الشراكة المجتمعية واحترام التنوع المجتمعي، وتقبل التعددية الفكرية والاختلافات الثقافية، وتحمل المسؤوليات والأهم الولاء للوطن والقيادة، وهذه المفاهيم تترسخ كثقافة يومية في حال اهتمام القائمين على الإعلام بنوعيه المسؤول والقوة الناعمة في تحويل هذه المرتكزات والمبادئ إلى ثقافة يومية من خلال البرامج والدراما والمحتوى الرقمي والحملات الوطنية والإلكترونية إلى جانب أهمية دعم إنتاج المحتوى الوطني الرقمي وتأهيل الإعلاميين لمواجهة التضليل الإعلامي وتشجيع الشباب والناشطين على صناعة محتوى يعكس قيمهم وهويتهم إلى جانب تعزيز التعاون بين الإعلام والتعليم والثقافة ومؤسسات المجتمع المدني، فهذا ما يحصن المجتمع خاصة خلال الأزمات والحروب.

فالإعلام في أي وطن هو البوصلة التي تهدي المجتمع إلى الاتجاه الصحيح، وهذا ما لمسناه خلال الحرب الدائرة الجائرة، فقد كان المجتمع البحريني محصناً ضد الشائعات، وكان المواطن شريكاً أساسياً في تفنيد العديد من الشائعات والرد عليها وتصحيحها أو إعادة نشر وتداول بيانات التوضيح عليها من الجهات المعنية بالدولة كما كانت تجربة وزارة الإعلام خلال الحرب في نقل الأحداث أولاً بأول ووضع المواطن والمقيم في الصورة الصحيحة وإيصال المعلومة له بشكل سلس وواقعي وحقيقي، ويحمل الكثير من القيم والمبادئ الوطنية إلى جانب تعزيز الرسائل الوطنية الإيجابية تجربة ريادية.

ولا ننسى تجربتنا البحرينية في تعزيز الهوية الوطنية من خلال اعتبار الإعلام شريكاً رئيساً في التنمية الوطنية، من خلال الخطة الوطنية لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة، وبرز ذلك خلال فترة الحرب هذه حيث هدفت الخطة إلى تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة والحفاظ على الهوية البحرينية إلى جانب تعزيز المسؤولية المجتمعية ونشر ثقافة القانون وترسيخ قيم التسامح والتعايش كما ضمت مبادرات إعلامية وثقافية وتعليمية تستهدف مختلف فئات المجتمع منها تعزيز إنتاج المحتوى الرقمي لدى فئة الشباب، وهذا ما رأيناه حينما تعاونت وزارة التربية والتعليم مع المكتب التنفيذي للخطة الوطنية بحريننا في إطلاق مسابقة لطلبة المدارس والجامعات؛ إلى جانب مسابقة أفضل 30 محتوى إعلامياً بالتعاون مع وزارة الإعلام.

وحرصت وزارة الإعلام بالمقابل على جعل الإعلام الوطني شريكاً في تنفيذ أهداف الخطوة الوطنية بحريننا من خلال إنتاج محتوى يعزز الهوية البحرينية وإبراز الإنجازات الوطنية ودعم المبادرات المجتمعية وتعزيز الوعي الوطني ومكافحة الشائعات والمعلومات المضللة حينما اعتبرت أن الإعلام الوطني يمثل ركيزة أساسية في إبراز الهوية البحرينية وقيم المواطنة.

كما قام مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح سنين طوال بدور مهم في نشر ثقافة الحوار والتسامح وتعزيز القيم الإنسانية والتصدي لخطاب الكراهية بالتعاون مع الإعلام الوطني.. وكل ذلك ثمار جناها المجتمع البحريني خلال فترة الحرب الجائرة في استكشاف مدى هذه الخطط الوطنية في دعم الثبات الوطني وتلاحم المجتمع البحريني ونجاح تجربتنا البحرينية في التمسك بالهوية الوطنية.