ثمة جوائز تُمنح للأعمال الصحفية، وثمة جوائز تمنح الصحافة نفسها فرصة لأن تتأمل صورتها في مرآة الزمن، وجائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة، في عامها العاشر، تنتمي إلى النوع الثاني؛ لأنها لم تعد مجرد منصة لتكريم من كتبوا وصوّروا وحققوا، بل أصبحت مساحة سنوية لقياس ما بلغته الصحافة البحرينية من نضج مهني وقدرة على مواكبة تحولات المجتمع والدولة والعالم.

وفي هذه الدورة، كان فوز صحيفة «الوطن» بجائزة أفضل ملحق متخصص عن «عام عيسى الكبير» أكثر من تكريم لعمل صحفي؛ كان تكريماً لفكرة أن الصحافة لا تحفظ الخبر فقط، وإنما تستطيع أن تحفظ الذاكرة، وأن تجعل من التاريخ مادة حية تقرأها الأجيال لا باعتباره ماضياً منتهياً، بل باعتباره أحد مفاتيح فهم الحاضر وصناعة المستقبل.

لقد اختارت «الوطن» أن تتعامل مع «عام عيسى الكبير» باعتباره مشروعاً توثيقياً يستحق أن يُقرأ بعين الصحفي، وبحس المؤرخ معاً، ولذلك جاء العمل جامعاً بين البحث والتوثيق والسرد الصحفي، مسلطاً الضوء على مرحلة مفصلية من تأسيس الدولة الحديثة في البحرين، وعلى شخصية الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، وإرثه في بناء المؤسسات وخدمة المجتمع. وهنا تحديداً تكمن قيمة التجربة، فالصحيفة التي تكتب عن تاريخ وطنها لا تكتب للماضي وحده؛ إنها تخاطب المستقبل أيضاً.

لقد جاء هذا الإنجاز في سياق وطني حمل فيه عام 2026 اسم «عام عيسى الكبير»، وهو ما منح الملحق بعداً يتجاوز العمل الصحفي التقليدي إلى المشاركة في مشروع وطني يستعيد إحدى الشخصيات المؤسسة في تاريخ البحرين الحديث.

ولعل أجمل ما في التجربة أن الجائزة لم تكن تتويجاً لاسم واحد، فقد أكدت «الوطن» أن العمل خرج من روح فريق؛ من رئيس التحرير فيصل العلي، إلى مدير التحرير وليد صبري، ورئيس قسم التحرير زهراء حبيب، وسائر فريق الملحق، بل إن إعداد التصور العام استغرق أكثر من شهر من البحث والتخطيط واختيار المحاور والمواد وتنفيذها.

وهذا هو المعنى الأعمق للجائزة: أنها تكافئ المؤسسة التي تعرف كيف تصنع الجودة، لا الصحفي الذي يلمع وحده.

ولذلك لم تكن «الوطن» وحدها في مشهد التميز، فقد توزعت جوائز الدورة العاشرة على أسماء ومؤسسات عكست تنوع الصحافة البحرينية؛ من مؤنس المردي الذي نال جائزة شخصية العام الصحفية، إلى خليل إبراهيم الذوادي ومحميد جمعة المحميد في أفضل عمود رأي، وشيماء عبدالكريم في أفضل تحقيق، وراشد نبيل الحمر في أفضل حوار، ومحمد عبدالرحمن الملا في أفضل صورة، ومحمد عبدالرضا بحر في المحتوى المرئي، وعمر عبدالسلام الكعابنة في الإنفوجرافيك، وحذيفة إبراهيم الدبو في الموقع أو الحساب الإخباري، فضلاً عن المشاريع الصحفية الطلابية.

إن تعدد هذه الفئات والفائزين يقول شيئاً مهماً: الإعلام البحريني لم يعد يتحرك في اتجاه واحد، إنه يتوسع في أدواته، ويتغير في لغته، ويتقدم في قدرته على إنتاج المعرفة والصورة والتحليل والمحتوى الرقمي.

وفي زمن تتصاعد فيه التقلبات السياسية، وتتشابك فيه المصالح والروايات، وتصبح المعلومة جزءاً من معركة الوعي، تتضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية الوطنية، وهنا تأتي أهمية ما أكدته الرعاية الرسمية للجائزة من أن الكلمة الوطنية المسؤولة تمثل قوة وثباتاً في مواجهة التحديات، وأن الصحافة البحرينية شريك أصيل في مسيرة البناء والتطوير.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم مسيرة «الوطن» لا باعتبارها مسيرة صحيفة تبحث عن الجوائز، وإنما مؤسسة إعلامية تحاول أن تواكب البحرين وهي تتغير، فالجائزة الأخيرة تضاف إلى إنجاز سابق؛ إذ أصبح فيصل العلي أول صحفي بحريني يحصد جائزتين من جوائز رئيس مجلس الوزراء للصحافة في عامين متتاليين، بعد فوزه العام الماضي بجائزة أفضل موقع أو حساب إخباري، ثم فوزه هذا العام بجائزة أفضل ملحق.

وهذا التراكم هو الذي يصنع المؤسسات الكبرى: أن تتحول الجائزة من نهاية إلى بداية، ومن شهادة تقدير إلى مسؤولية جديدة.

فالصحافة التي تنسجم مع مسيرة التنمية لا تكتفي بأن تنقل ما تحقق؛ بل تشرح معناه، وتوثق جذوره، وتضعه في سياقه، وتفتح أمام المجتمع سؤال الغد.

و«الوطن» حين كتبت «عام عيسى الكبير» لم تكن تستعيد صفحة من التاريخ فحسب؛ كانت تقول إن الأوطان التي تعرف كيف تحفظ ذاكرتها، تعرف كيف تبني مستقبلها.

وربما لهذا السبب تحديداً تبدو جائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة أكبر من منصة للتكريم؛ إنها، في جوهرها، مقياس سنوي لنبض الإعلام البحريني، ودليل على أن الكلمة حين تُكتب بمهنية ووعي ومسؤولية، يمكن أن تصبح جزءاً من مشروع الوطن نفسه.

* إعلامية وباحثة أكاديمية