إنّ الحروب إذا طال أمدُها، واشتدّ أوارُها، واختلط فيها ظفرُ الجولة بخيبة المآل، لم يعد السؤال: من أطلق أبعدَ الصواريخ، ولا من أحدث أوجعَ الجراح؛ وإنما: من يملك عند خمود النار أن يصون مكسبه من الضياع، ويمنع خصمه من أن يجعل تراجعَه انتفاعًا، وانكسارَه ارتفاعًا، وهزيمتَه في الميدان غنيمةً على مائدة البيان. فالحربُ تفتتحها المدافع، ولكن تختتمها المصالح، ويعلو في ساحتها صخبُ السلاح، ثم يبقى في صحائفها حكمُ السياسة؛ وكم من غالبٍ غلبته المساومة، وكم من متراجعٍ رفعته المفاوضة، حتى يُمنح بالحوار ما عجز عن انتزاعه بالنار، ويُثبَّت في الاتفاق ما لم يثبته في ساحة القتال.

ومن هنا تختلف حسابات الولايات المتحدة وإيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي؛ فلكلّ طرفٍ خوفٌ يدفعه، ومكسبٌ يطلبه، وحدٌّ إذا جاوزه الاتفاق غدا الخروج من الحرب خسارةً تُضاف إلى خسائرها، لا نجاةً من أخطارها.

فمن المنظور الأمريكي، ليست المعضلة في ضربةٍ تُطلق أو تُؤجَّل، بل في الثمن الذي يُدفع إذا خمدت النار، والمشهد الذي يبقى إذا انقشع الغبار؛ إذ تستطيع واشنطن أن تقبل هدنةً مرحليةً تُفتح بها الملاحة، وتُوقف بها الاعتداءات، وتُضبط بها أسباب الانفلات، لكنها لا تستطيع أن تدخل المواجهة لكبح إيران، ثم تخرج منها وقد منحتها في التفاوض ما عجزت عن انتزاعه في الميدان.

فأن تُعطى طهران حقًّا في إدارة المضيق، أو فرض الرسوم على سفنه، أو الإذن لمن يمرّ والمنع لمن لا ترضى عنه، فذلك ليس وقفًا للعدوان، بل تقنينٌ للابتزاز، ولا نصرًا للدبلوماسية، بل إقرارٌ لسلطان التهديد. ومن هنا يكون المخرج الأوفق وقفًا مكتوبًا ومتزامنًا، تُفتح به الملاحة بلا إذنٍ ولا إتاوة، وتتوقف فيه الضربات مقابل التزامٍ موثّق لا عبارةٍ منمّقة، وتبقى القوة خلف التفاوض ضمانًا للوفاء، لا نارًا تُشعل اللقاء؛ فلا يُدفع الثمن قبل تمام الالتزام، ولا يُؤمَن الغدر لمجرّد تحسين الكلام؛ إذ العبرة بصدق التنفيذ لا بحسن التبرير، وبثبات الفعل لا بزخرف التعبير.

وأمّا من المنظور الإيراني، فإنّ مضيق هرمز عند طهران ليس مجرىً للملاحة فحسب، بل ورقةُ ضغطٍ حين يشتدّ الحصار، وسلاحُ مساومةٍ حين يضيق بها الاختيار؛ غير أنّ الورقة إذا أُنهكت احترقت، والسلاح إذا طال إشهارُه اجتمعت الأيدي على كسره وإبطال أثره. فإغلاق المضيق قد يرفع الكلفة عاجلًا، لكنه يُسقط قيمة الورقة آجلًا؛ إذ يدفع دول المجلس والعالم إلى تعجيل البدائل، وتوسيع المسالك، وتخفيف الارتهان لممرٍّ أرادت إيران أن تجعله بابًا للابتزاز والاضطرار.

ومن هنا، فإنّ العقل الإيراني لا يكون في استنزاف الورقة حتى تبور، ولا في استعراض القوة حتى تدور الدائرة على صاحبها؛ بل في صرفها قبل أن يكسد سعرها، وتوظيفها قبل أن يذهب أثرها، فتُفتح الملاحة، وتتوقف الاعتداءات، ويُربط تخفيف الحصار بتدرّج الالتزام؛ لأنّ السياسة ليست أن تقبض على الورقة حتى تحترق في يدك، بل أن تصرفها قبل أن تهبط قيمتها، وتساوم بها قبل أن تسقط هيبتها. ولكنّنا نتمنى ألّا يُحسن من بيده السلطان الحقيقي والقرار في طهران، لا تلك الشخصيات الكرتونية التي تتحرك في واجهته؛ قراءةَ هذه المعادلة، وأن يختار ما يظنّه سبيلًا إلى إبقاء النظام، فإذا به في حقيقة الأمر يختار أقصر السبل إلى إضعافه، وأسرع الطرق إلى زواله.

وأمّا من المنظور الخليجي، فإنّ دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي ليست هامشًا في نزاعٍ يدور في فضائها، ولا ميدانًا تُختبر فوق ثراها إراداتُ سواها؛ فهي أولُ من يكتوي بنار التصعيد، وآخرُ من يجوز أن يُقصى عن صناعة التهدئة، تغرم كلفةَ الحرب إذا اشتعلت، وتحمل عاقبةَ الصفقة إذا اختلّت. ومن هنا، لا يجوز أن يُجعل أمنُها بندًا في اتفاقٍ أمريكي–إيراني، ولا أن يُترك مضيقُ هرمز ورقةً يتنازعها طرفان، بينما أهلُ الساحل والمصلحة والمصير غائبون عن التشاور والتقرير.

فالموقف الخليجي الرشيد يثبت أنّ المضيق ممرٌّ دوليٌّ حرّ، لا رسومَ فيه ولا تصاريح، ولا إكراهَ فيه ولا تلويح، وأنّ الاعتداء على دولةٍ خليجية ليس رسالةً إلى سواها، بل عدوانٌ عليها وعلى المجلس بأسره. ثم يُسند القولُ بالفعل، فتتوحد الكلمة، وتتكامل المنظومة، وتُحصَّن المنشآت والمطارات، وتُنوَّع مسارات الطاقة والتجارة؛ لأنّ السلام الذي لا تسنده منعةٌ مطمع، والصبر الذي لا تحرسه قوةٌ ضعف، أمّا من امتلك الردع ثم آثر التهدئة، فقد جعل لحكمته وزنًا، ولسلامه حصنًا، ولخصمه في العاقبة حسابًا.

وخلاصةُ القول، إنّ المصلحةَ الخليجية لا تقوم في حربٍ تُترك نارُها بلا قرار، ولا في سلامٍ يُمهل الخطر ثم يعيده بعد حينٍ أشدَّ أوارًا وأبعدَ آثارًا؛ وإنما في اتفاقٍ يوقف الاعتداء ولا يكافئ المعتدي، ويفتح المضيق ولا يمنح طهران سلطانًا عليه، ويربط تخفيفَ القيود بصدق التنفيذ، لا بحسن التبرير، وبثبات الالتزام، لا بزخرف الكلام. ولا يكون ذلك إلا بحضور دول المجلس في صياغة الاتفاق وضمانه، فهي صاحبةُ الساحل والمصلحة والمصير، وأولى الناس بأمن الممرّ وتدبيره؛ فلا صفقةَ تُعقد من وراء جدارها، ولا تسويةَ تُكتب على حساب استقرارها، ولا سلامَ يدوم إذا نال المعتدي في البيان ما عجز عن انتزاعه في الميدان.