لم تكن مكة المكرمة عبر تاريخها مجرد مدينة في الجغرافيا، ولا مكاناً تقصده الأجساد ثم تغادره، إنها المدينة التي تهفو إليها القلوب قبل أن تشد إليها الرحال، ومهوى أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، والقبلة التي تتجه إليها وجوههم كل يوم، مهما تباعدت المسافات واختلفت ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم.
من مكة أشرقت رسالة الإسلام، ومنها انطلق النداء الذي غير وجه التاريخ، وجمع قبائل وشعوباً وأمماً تحت راية التوحيد، وفي رحاب بيت الله الحرام تعلم المسلمون، جيلاً بعد جيل، أن اجتماعهم له معانٍ عميقة للوحدة والتكافل والأخوة والمصير المشترك. ولذلك، حين يحدث أمر في مكة، فإن للمكان دلالته.
وحين تحمل اتفاقية للدفاع المشترك اسم "مكة"، وتجمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، فإن الاسم وحده يضيف إلى الحدث معنى يتجاوز نصوص الاتفاقية وبنودها العسكرية، فهذه ثلاث دول إسلامية كبيرة، لها ثقلها السياسي والعسكري والاستراتيجي، اختارت أن تعلن من مكة المكرمة أن أمنها لم يعد شأناً منفصلاً، وأن الاعتداء على واحدة منها سيعد اعتداءً على الجميع.
لذلك فلا يمكن قراءة اتفاقية مكة للدفاع المشترك باعتبارها تفاهماً دفاعياً فرضته ظروف إقليمية مؤقتة، إنها، في تقديري، تعبير عن تحول يستحق التوقف عنده في طريقة تفكير دول إسلامية محورية في مفهوم الأمن، وفي معنى الردع، وفي كيفية حماية الاستقرار في منطقة دفعت خلال العقود الماضية أثماناً باهظة للحروب والصراعات والتدخلات.
السعودية بثقلها العربي والإسلامي ومكانتها السياسية والاقتصادية، وتركيا بما تمتلكه من قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وخبرة استراتيجية واسعة، وباكستان بما تمثله من قوة عسكرية كبيرة ومكانة مؤثرة في العالم الإسلامي؛ تلتقي اليوم عند معادلة واضحة وبالغة الأهمية بأن أي هجوم على دولة منها هو هجوم على الدول الثلاث جميعاً.
هذه العبارة هي قلب الاتفاقية، وهي أيضاً الرسالة الأهم فيها.
ومن البحرين، جاءت قراءة الاتفاقية واضحة كذلك، فقد رحبت مملكة البحرين بها باعتبارها "إضافة نوعية" تكمل منظومة الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي وتعزز فاعليتها، مؤكدة في الوقت ذاته حقيقة راسخة في الوجدان والسياسة البحرينية بأن أمن المملكة العربية السعودية جزء لا يتجزأ من أمن مملكة البحرين.
ربما لهذا كله كان اختيار مكة أكثر من مجرد اختيار لمكان انعقاد قمة أو توقيع وثيقة.
ففي المدينة التي علمت المسلمين قبل أكثر من أربعة عشر قرناً معنى الأخوة، وخرجت منها رسالة جمعت أمة بعد فرقة، اجتمعت اليوم ثلاث دول إسلامية لتقول، بلغة السياسة والدفاع هذه المرة، إن الأمن أيضاً يمكن أن يكون مشتركاً، وإن التضامن حين تسنده القوة والمصلحة والإرادة يتحول إلى حقيقة لها وزنها في حسابات الدول.