تكشف تطورات المشهد السياسي المتلاحقة في طهران عن احتدام صراع النفوذ داخل هرم السلطة، في وقت تواجه فيه القيادة الجديدة استحقاقات حساسة تتعلق بمستقبل التفاوض مع الولايات المتحدة وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب أزمة اقتصادية داخلية متفاقمة.
وبحسب تحليل للباحث الإسرائيلي المتخصص في الشأن الإيراني، الدكتور راز تسيمت، في موقع "واي نت" العبري، فإن الأنباء التي تحدثت عن احتمال استقالة الرئيس الإصلاحي، مسعود بزشكيان، تعكس حجم التوتر داخل القيادة، رغم نفي الرئيس تلك التقارير وتأكيده أن حكومته تعمل بتنسيق مع القوات المسلحة والمرشد الجديد مجتبى خامنئي.
وزادت تصريحات رجل الدين المتشدد، محمد باقر خرازي، من حدة الاستقطابات السياسية، بعدما تحدث عن تهديدات متكررة من بزشكيان بالاستقالة، ودعا في مقطع فيديو نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى تحركات راديكالية تصل إلى حد إسقاط الحكومة بعد أن وصف النظام بأنه "منتهي الصلاحية".
وأثارت تصريحاته غضب أنصار الرئيس الذين رأوا فيها محاولة من التيار المتشدد لإضعاف بزشكيان والاستحواذ على مؤسسات الدولة.
وفي مؤشر آخر على إعادة توزيع مراكز القوة، جرى تعيين قائد الحرس الثوري الأسبق (1981-1997)، محسن رضائي، أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفاً لمحمد باقر ذو القدر المعين منذ 5 أشهر.
ويُنظر إلى هذا التعيين باعتباره تعزيزاً لنفوذ المؤسسة العسكرية والأمنية، خصوصاً أن رضائي يحتفظ بشبكة علاقات واسعة داخل مكتب المرشد والحرس الثوري، بحسب التحليل.
ويرى تسيمت أن صراع السلطة في ما يسميه "الجمهورية الإسلامية الثالثة" لا يقتصر على مواجهة بين البراغماتيين والمتشددين، بل يجري بين عدة مراكز نفوذ داخل النظام نفسه، بما في ذلك أجنحة متنافسة داخل الحرس الثوري تحاول السيطرة على مراكز صنع القرار.
وتتفاقم هذه المنافسة في ظل عدم تمكن مجتبى خامنئي حتى الآن من ترسيخ سلطته بالطريقة التي فعل بها والده، علي خامنئي، الذي كان يتخذ القرار الفصل بين التيارات المتصارعة.
ومع تراجع وتيرة المواجهة العسكرية، يبدو أن كبار المسؤولين الإيرانيين يسعون إلى استثمار المرحلة الحالية لتثبيت مواقعهم في النظام الجديد، ما يجعل الصراع الداخلي عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه طهران خلال المرحلة المقبلة؛ سواء بين تسوية سياسية مع واشنطن ومسار اقتصادي أكثر براغماتية، أو تغليب جناح الحرس الثوري والاستمرار في نهج المواجهة.
وقد تحدد نتيجة هذا الصراع أيضاً شكل النظام نفسه، وسط تساؤلات متزايدة عما إذا كانت إيران تتجه تدريجياً من حكم ديني تهيمن عليه مؤسسة المرشد إلى نموذج أكثر عسكرة يقوده الحرس الثوري.