تعريف شخصي لمفهوم الردع؛ «هو ترسُّخُ اليقين لدى الطرف المُناوئ بأن كلفةَ المغارم ستفوق جميعَ تقديرات المكاسب».
ربما يكون من التجنّي افتراضُ أن هذا المحور قد تشكّل لاحتواء طرفٍ بعينه؛ لذلك، يستلزم الأمرُ التجرّدَ الموضوعي عند قراءة دلالاته. فميثاق الدفاع السعودي–الباكستاني–التركي يمثّل مقاربةً تتجاوز مجرد تكافل القدرات العسكرية أو التنسيق الأمني الثنائي أو الثلاثي. وهو، في أحد أبعاده الاستراتيجية، استجابةٌ مؤسسية لتحولاتٍ بنيوية في البيئة الإقليمية، تتجلّى فيما يمكن تسميته تخليق عقيدة (التكافل المتبادل في فضاء مصالح مشترك في عموم غرب آسيا).
ويُقصد بالتكافل المتبادل نمط من التفاعلات الإقليمية تتولد فيه المخاطر الأمنية عبر شبكة من الروابط المتداخلة، وتنتشر من خلال قنوات متزامنة وحلقات تغذية ارتدادية. ووفقاً لهذا التصور، لا تنحصر آثار التهديدات في نطاق جغرافي محدد، بل تتجاوزه لتتخذ مسارات متشعبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والمعلوماتية والعسكرية والاجتماعية.
وتتمثل الدلالة الأولى لهذا النمط من الاعتماد المتبادل في غرب آسيا، حيث تتسم بدرجة مرتفعة من الاقتران البنيوي بين مجالات السياسة والاقتصاد والمعلومات. ومن ثم، فإن التعامل مع الدول باعتبارها وحدات أمنية مستقلة ومغلقة لا يفي بتفسير طبيعة التهديدات المعاصرة إقليميا (التحالف الدولي لمحاربة داعش - التحالف الإسلامي لمحاربة داعش - وكلاء إيران في الإقليم). فالحدود السياسية لا تمثل فواصل فاعلة بالضرورة في ظل كثافة الروابط التجارية، وتشابك ممرات الطاقة، وتدفقات الهجرة، وامتداد الشبكات العرقية، وتنامي الفضاءات الإعلامية الرقمية العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، لا تقتصر آثار القرارات السياسية والأمنية على أهدافها المباشرة، بل تؤدي إلى إعادة تشكيل الحوافز والفرص لدى أطراف أخرى داخل الإقليم وخارجه. ولذلك، قد تفضي التدابير التي تستهدف فاعلاً محدداً إلى نتائج مباشرة وغير مباشرة من الدرجة الثانية أو الثالثة (تحالف إعادة الشرعية في اليمن)، أو يمكن استشراف اتجاهاتها العامة، وإن ظل تقدير حجمها وتوقيتها خاضعاً لقدر كبير من عدم اليقين.
ويضيف ُبعد «فضاء المصالح المشتركة» في هذا الإطار التحليلي نقداً للتصورات الأمنية التقليدية القائمة على منطق حصانة الحدود والمناظير الأمنية والدفاعية التقليدية أو الدبلوماسية اللينة. ففي النماذج الكلاسيكية، يُفترض أن التهديدات تنتقل عبر جبهات واضحة أو ممرات محددة قابلة للرصد والضبط. أما في بيئة غرب آسيا، فإن المخاطر تتخذ طابعاً شبكياً (الهندسة الديمغرافية اجتماعياً، والتي اعتمدتها إيران في العراق وسوريا طائفياً عبر توطين شيعة من آسيا ووسط آسيا). إذ يمكن أن تنفذ عبر مسارات مادية، مثل تدفقات السلاح وشبكات الإمداد والقدرات اللوجستية، أو عبر مسارات معلوماتية، مثل السرديات السياسية وإشارات التنسيق والتعبئة، أو عبر مسارات مالية، مثل قنوات التمويل والتحويلات وشبكات الدعم غير الرسمي.
وبفعل التداخل الوظيفي بين هذه المسارات، يصبح من الصعب افتراض وجود «محيط» مستقر يمكن من خلاله عزل التهديدات أو استبعادها بصورة نهائية. فتقييد أحد مسارات النفاذ لا يؤدي بالضرورة إلى تحييد التهديد، إذ يمكن للفاعلين التكيف عبر استخدام قنوات بديلة تسمح بإعادة إنتاجه أو إعادة إدخاله إلى المجال الأمني في صورة مختلفة.
أما الدلالة الثانية للتكافل المتبادل في فضاء المصالح المشتركة، فتتصل بديناميات انتشار التهديدات وتطورها. فالتهديدات في البيئة الإقليمية لا تنتقل عبر قناة واحدة أو بوتيرة زمنية موحدة. فالقدرات المادية، من أسلحة وموارد لوجستية، قد تتيح ممارسة الضغط أو الإكراه بصورة فورية؛ في حين تحدد العناصر غير المادية، مثل التجنيد الأيديولوجي التنظيمي، وحوافز التجنيد، وخطابات الشرعنة، وأطر التعبئة، على مدى قدرة الفاعلين على الاستمرار والتكيف وإعادة التموضع.
وتتشكل بين هذه العناصر حلقات تغذية عكسية ذاتية التعزيز؛ فالسرديات تسهم في تحفيز التعبئة، والتعبئة تدعم البنية اللوجستية، والبنية اللوجستية تطيل أمد الصراع، ثم يعيد استمرار الصراع إلى إنتاج سرديات أو تعزيز صدقيتها لدى الجماعات المستهدفة. وبهذا المعنى، لا يعود عدم الاستقرار الأمني نتيجة مباشرة لاختلالات مادية فحسب، بل يصبح ظاهرة مركبة تتغذى من تفاعل القدرة المادية مع البنى الإدراكية والتفسيرية التي تمنح الفعل السياسي والأمني معناه ومشروعيته (حزب الله في لبنان).
وتتمثل الدلالة الثالثة في أن هذا النمط من الاعتماد المتبادل يحدّ من إمكانات الإسناد الدقيق والتفسير الموثوق للأحداث الأمنية. ففي بيئات تتّصف بتعدد الفاعلين، وتسارع الإيقاع الزمني، وتداخل قنوات التأثير، قد تواجه الدول صعوبات كبيرة في تحديد المسؤولية عن حدث بعينه، أو استجلاء نيات الفاعلين، أو تقدير المآلات النهائية للأفعال المتخذة. ولا تكمن خطورة هذه الإشكالية في نقص المعلومات وحدها، بل في أن الاستجابات الأمنية تتشكّل بدرجة كبيرة وفق الكيفية التي يفسّر بها الفاعلون سلوك بعضهم بعضاً.
وعليه، قد تنشأ ديناميات التصعيد نتيجة سوء الإدراك الاستراتيجي أو الخطأ في تقدير النوايا، وليس فقط نتيجة مواجهة عسكرية مباشرة أو قرار متعمد بالتصعيد (الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية). ويزداد هذا الاحتمال في البيئات التي تتكاثر فيها الإشارات المتضاربة، وتتداخل فيها أفعال الدول مع أفعال الجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود والفاعلين غير الرسميين.
في ضوء ذلك، تتوقف القيمة الاستراتيجية للميثاق الدفاعي السعودي-الباكستاني-التركي على مدى قدرته على تجاوز مستوى الاصطفاف السياسي المعلن نحو بناء تنسيق مؤسسي مستدام. ويفترض إطار الاعتماد المتبادل في فضاء المصالح المشتركة أن يبنى التعاون الأمني الفاعل على تطوير منظومات مشتركة للإنذار المبكر والتحقق وتبادل المعلومات، بما يحد من الغموض، ويقلص فرص سوء التفسير. كما يقتضي تعزيز الجاهزية القابلة للتشغيل البيني interoperability، بما يسمح بمواءمة الأطر الزمنية للاستجابة، وتنسيق وضعيات الردع، ورفع كفاءة التحرك المشترك عند الأزمات.
كذلك، تبرز أهمية إنشاء بروتوكولات واضحة للاتصال وإدارة الأزمات وإزالة التعارض بين العمليات، بهدف منع انتقال آثار التصعيد أو تضخّمها عبر مكونات النظام الإقليمي المترابط. فغياب آليات التواصل والتنسيق لا يرفع فقط احتمال سوء التقدير بين الأطراف المعنية، بل قد يسمح أيضًا بتحول الحوادث المحدودة إلى أزمات أوسع بفعل التفاعلات الارتدادية بين المسارات العسكرية والسياسية.
وبناءً على ذلك، يمكن تفسير الميثاق الدفاعي بوصفه محاولة للانتقال إلى مقاربة أشمل لإدارة الأمن في غرب آسيا، تنطلق من اعتبار الإقليم مركباً أمنياً مترابطاً لا يمكن فيه تحقيق الاستقرار من خلال تدابير دفاعية منفردة أو سياسات احتواء معزولة (سوريا أنموذج). وإنما يتطلب الأمر إدارة جماعية ومنسقة للمخاطر المتسلسلة، وبناء قدرات مؤسسية قادرة على رصد التهديدات عبر قنواتها المختلفة، واحتواء آثارها قبل أن تتحول إلى دوائر تصعيد عابرة للحدود.