بعد سنوات من التفاعل على مختلف المستويات، يناقش مجلس النواب في دور الانعقاد المقبل تنظيم البيع بالتقسيط، وهو الملف الذي أرق مئات البحرينيين على مدى سنوات، حيث تمكن بعض ضعاف النفوس في استغلال حاجات الناس وتوريطهم في أعباء مالية
تفوق قدراتهم المتواضعة، والتي وصل بعضها إلى ساحات القضاء.
في تقديري، فإن أهمية هذا المقترح تتجاوز تنظيم عملية تجارية، إلى معالجة ملف اجتماعي واقتصادي يمس استقرار كثير من الأسر، خصوصاً أن البيع بالتقسيط أصبح بالنسبة إلى شريحة من الناس وسيلة للحصول على احتياجات أساسية لا تسمح إمكاناتهم المالية
بسداد قيمتها دفعة واحدة.
المشكلة ليست في التقسيط ذاته، وإنما في الممارسات التي استغلت حاجة البعض، بحيث تباع السلعة بسعر، ثم يجد المشتري نفسه ملتزماً بدفع مبلغ يفوق قيمتها الأصلية، من دون وضوح كاف في السعر الأصلي أو الفوائد أو الكلفة النهائية.
ومن هنا تأتي أهمية إلزام العقد ببيان الثمن الأصلي للسلعة، والثمن بعد التقسيط، والسعر الفعلي للفائدة، وعدد الأقساط وقيمة كل قسط، حتى يعرف المستهلك منذ البداية حجم الالتزام الذي سيترتب عليه.
هذه الشفافية ضرورية، لأنها تمنح المواطن فرصة للمقارنة واتخاذ القرار، وتقطع الطريق على من يتصدون لحاجات الناس باعتبارها فرصة لتحقيق أرباح غير منطقية أو مضاعفة الأسعار استغلالاً لظروفهم الاقتصادية.
وفي اعتقادي أن القضية ليست تجارية فقط؛ فالالتزامات المالية عندما تتجاوز قدرة الأسرة تتحول إلى ضغوط يومية وقلق ومشكلات اجتماعية، وقد تنتهي أمام القضاء، ولذلك فإن تنظيم البيع بالتقسيط يسهم بصورة مباشرة في حماية استقرار الأسر والمجتمع.
كما أن المقترح يحاول تحقيق توازن بين حقوق البائع والمشتري، فلا يهدر حق التاجر في الحصول على أمواله، وفي الوقت نفسه يمنع أن يتحول تأخر محدود في السداد إلى عقوبة قاسية على المشتري، خصوصاً إذا كان قد أوفى بجزء كبير من التزاماته.
واشتراط الترخيص لمزاولة نشاط البيع بالتقسيط يمثل خطوة مهمة أيضاً، لأنه يضع هذا النشاط تحت رقابة واضحة، ويحد من الممارسات العشوائية، خصوصاً مع ما يتضمنه المقترح من جزاءات وعقوبات للمخالفين، بما يعزز جدية التنظيم، ويحفظ حقوق جميع الأطراف.
لكن القانون وحده لا يكفي، فبالتوازي مع التنظيم، نحن بحاجة إلى تعزيز الوعي المالي لدى الأسر والشباب، حتى يكون قرار الشراء بالتقسيط مبنياً على قدرة حقيقية على السداد، لا على حاجة آنية.
في النهاية، ليست القضية أرقاماً في عقد، وإنما أسر وحياة يومية، وحين يضمن القانون أن تكون العلاقة بين البائع والمشتري قائمة على الوضوح والعدالة، فإنه يحمي الناس، ويعزز استقرار المجتمع، لأن حاجة الناس يجب أن تكون محل حماية، لا باباً للاستغلال.