سوسن الشاعر

استكمالاً للسؤال الذي طرح على معالي وزير الداخلية عن ما قامت به التيارات الموالية لإيران في البحرين بعزل القرى التي سيطرت عليها لعقود، لابد أن نعرف أن «العزلة» لم تكن هدفاً بحد ذاته لذلك التيار ورموزه، إنما كانت أداة من أدوات السيطرة والتحكم، الأمر الثاني ليست العزلة بغرض حماية الفئة المعزولة كما أقنعوهم، بل بغرض استغلالهم دون تدخل من أطراف خارجية، وحتى يسهل تشكيل وعي الفئة حين تكون معزولة، ويأتي هنا دور عملية «غسيل المخ» التي تعزز العزلة وتقويها، وللعلم ليس التيار الولائي التابع للنظام الإيراني بمبتدع لتلك الأدوات أو صاحب اكتشاف العزلة كأداة.

تابعت مسلسلاً وثائقياً على نيتفلكس اسمه «النبي المزيف» من أربع حلقات فقط، التصوير واقعي وليس تمثيلاً أي بشخوصه الحقيقيين، فيديوهات ومقاطع صورتها عميلة فيدرالية متخفية داخل جماعة دينية من مئات الأشخاص رجال ونساء، سيطر عليهم رجل بعد أن أقنعهم أنه نبي معصوم من الخطأ يوحي إليه!

سكنت العميلة الفيدرالية معهم أكثر من عام، وأقنعت زعيم الجماعة «النبي المزعوم» أنها تصور فيلماً وثائقياً لنشر تعاليمه، فسمح لها بعد أن لعبت على وتر الغرور عنده بالدخول إلى بيته والالتقاء بزوجاته وبناته؛ وهكذا تم تصوير مئات الساعات صور حقيقية.

تبين أن «العزل» سمة من سمات السيطرة والتحكم، فقد قام الرجل أولاً باختيار منطقة معزولة جغرافياً بعيداً عن المدنية، ثم شيطن لهم سكان المدن في كل خطبه الدينية، كعازل نفسي بعد أن تمكن من العازل الجغرافي، ومنع جماعته من الاحتكاك بسكان المدن، ثم عمل على تمييز جماعته بلباسهم، وأقنعهم بأنهم الفئة المختارة من الله، بحيث يصعب اندماجهم بين سكان المدن الأخرى من كلا الطرفين من قبلهم، ومن قبل المدنيين الذين لم يتقبلوا اختلافات تلك الجماعة.

أقنعهم أن هو المصدر الوحيد الموثوق به والمؤتمن عليهم، ومن بعدها سهلت عمليات غسل المخ اليومية التي من خلالها ربطت تلك الجماعة بالزعيم الروحي.

ذلك الفيلم الوثائقي كشف أن عملية استغلال الجماعات متشابهة، تبدأ دائماً بعزلهم جغرافياً ثم نفسيا ثم فكرياً ثم من بعدها من السهولة اللعب بمصائرهم، الآلية إذاً واحدة مهما اختلفت العقائد، ومهما اختلفت الجغرافية ومهما اختلفت الأزمنة، تبدأ بالعزلة الجغرافية وانغلاق المكان، عن العالم الخارجي كأداة ضرورية تمنع الصحوة من الغيبوبة، ثم الحرص على اتصاله اليومي من خلال مؤسسته الدينية بتوجيه رسائل متواصلة خشية الانقطاع، وكأن السحر سينفك إن هم تركوا الجماعة لفترة دون تحشيد متواصل، ومن خلال إقناعهم بأنهم مستهدفون مضطهدون تتعزز العزلة.

ثم بإعدادهم وتدريبهم للإجابة على الآخر في الخارج سيقولون لكم كذا ردوا عليهم بكذا، تم تحفيظهم الإجابات الموحدة.في الفيلم الوثائقي اعترى الجماعة خوفاً وارتباكاً بعد أن تم القبض على النبي المزعوم، وهو خوف طبيعي من مجهول تمت شيطنته، وخوف من المستقبل بعد آمنوا أن حياتهم ومماتهم مرتبطة بهذا النبي المزعوم... إلخ.

وحين تم القبض على رؤوس الفتنة في القرى هنا في البحرين ارتبك الوضع عند الأتباع وتدارك التيار هذه الفجوة، فأبقي التواصل عبر الفضاء الإلكتروني، وتم ربط القرى البحرينية بالقرى العراقية الجنوبية والقرى اللبنانية الجنوبية واليمنية كجماعة واحدة، للتعويض عن تواجد الزعامات على الأرض.

في البحرين عملية غسل الأدمغة استغرقت عقوداً محت فيها الفطرة القروية البسيطة التي لم تخش أبداً الاختلافات المذهبية زمان، وتعاملت معها بأريحية، وسمحت ببساطتها بتعايش وانفتاح بين جميع الأطياف في البحرين، وذلك كان أحلى ما فيها، فجاءت هذه الجماعة، واستبدلتها بالتشنج والتطرف والانعزال والانكفاء على الداخل، وشيطنة العالم الآخر سواء كانوا سنة بتسميتهم بمعسكر معاد، أو الدولة بتسميات ومصطلحات جعلت من الدولة العدو الأول لأهل القرى.

لذلك تحتاج الدولة الآن من أجل فك هذه العزلة جهداً يفوق استبعاد رؤوس الفتنة، تحتاج إلى جهد يعمل على نقل الثقل الاجتماعي والترفيهي والثقافي المديني إلى داخل القرية، حتى تخلق مراكز مدنية من الداخل، وتسهيل الاتصال والتواصل والاستقبال، ونحتاج إلى وقف عملية تريف المدن بالعودة للإرث البحريني الذي بدأه الشيخ عيسى بن علي حين عمل على مدننة القرية دون الإخلال بجمالية الجذور القروية الأصيلة وتلوناتها المتنوعة التي تضفي ثراء على المشهد البحريني العام.

نحتاج لإعادة دمج القرى مع المدن البحرينية ثقافياً واجتماعياً وتوزيع ديمغرافي كي نعيد ترتيب الأوليات من جديد، فتجعل البحريني السني والمدني أقرب لابن القرية البحرينية من ابن قرى لبنان الجنوبية أو الجنوب العراقي أو اليمني وبالطبع الإيراني.لذلك نقول إن فك العزلة طريق طويل، لكنه ممكن جداً فالجذور مازالت موجودة وحية.