من أعظم ما جاء به الإسلام أنه لم يجعل الإخلاص عبادةً مستقلة، بل جعله أساس كل عبادة. فالصلاة بلا إخلاص ليست سوى حركات، والصيام بلا إخلاص مجرد جوع وعطش، ولذلك قال رسول الله عليه الصلاة والسلام «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
ولأن الإخلاص هو جوهر الدين، فقد تجاوز حدود المساجد إلى ميادين الحياة كلها. فما يطلبه الله من المصلي، وهو يقف بين يديه، يطلبه أيضًا من الموظف، وهو يجلس خلف مكتبه، وهو أن يؤدي ما أؤتمن عليه بصدق، وأن يقدم عملاً يستحق أن يرفع إلى الله قبل أن يرفع إلى المدير.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي للجودة، ذلك المفهوم الذي تسعى الحكومات اليوم إلى ترسيخه في خدماتها ومؤسساتها. فالجودة ليست إجراءات، ولا شهادات تعلق على الجدران، بل ثقافة تبدأ من الإنسان نفسه. فالجودة ترفض العمل الناقص، وتؤكد على أن كل مهمة يجب أن تقدم بشكل متكامل، فهي تحمل اسمك أولاً، ثم اسم المؤسسة التي تعمل بها. ولهذا كان الإسلام سابقاً إلى مفهوم الجودة بقرون، حين قال الرسول الأعظم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» فالإتقان ليس إجراءً إدارياً فقط بل عبادة. وكلما ازداد إخلاص الإنسان، ازداد إتقانه، لأن من يعمل مخلصاً لله لا يرضى أن يقدم عملًا ناقصًا، حتى لو لم يره أحد. ومن هنا يبدأ الفرق بين موظف ينتظر انقضاء ساعات عمله، وموظف يحرص على أداء رسالته واضعاً الله أمام عينه. ولهذا لا يقاس أثر الموظف بعدد الساعات التي قضاها في مكتبه، بل بما تركه من عمل متقن لخدمة الناس والمؤسسة. فالمعاملات لا تتأخر بسبب الأنظمة وحدها، بل تتأخر لأن الإخلاص لم يكن حاضراً عند تقديم المهام.
لأن السلوكيات التي نراها صغيرة مثل: دقائق التأخير، والانصراف المبكر، والانشغال الطويل بالهواتف، وتأجيل الأعمال، والتنصل من المسؤوليات بإلقائها على الآخرين، وكثرة الإجازات المرضية هي في حقيقتها هدر لمال الدولة التي دفعت لك مقابلها.
وحين يتقاضى الإنسان أجر هذا الوقت، ثم يصرفه في غير ما أؤتمن عليه، فإنه يأخذ مقابلًا لعمل لم يقدمه. قد لا يسمي القانون ذلك سرقة بصريح العبارة، لكن الحقيقة الأخلاقية لا تتغير بتغير المسميات.
ولهذا قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا». والأمانة ليست الأموال وحدها، بل الوقت، والوظيفة، وثقة الناس، وكل مهمة أوكلت إليك.
فالمدير قد لا يكون حاضراً ليراقب كل عمل تؤديه، ولكن الرقيب الأكبر موجود ليوثق إخلاصك وجودة عملك. وفي النهاية عليك أن تتذكر أن العمل كالصلاة، لا يرتفع إلى الله إلا إذا كان خالصاً، صادقاً، متقناً لوجهه الكريم. هذا هو جوهر الإسلام.