منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، شكّلت سياسة الاحتواء الإطار الناظم للمقاربات الأمريكية تجاه طهران. وقد اتخذت هذه السياسة صوراً متباينة، تراوحت بين العقوبات الاقتصادية والعزل السياسي، والضغط الأمني غير المباشر، والمهادنة التفاوضية التي تجسدت في الاتفاق النووي لعام 2015، وانتهت إلى التدخل العسكري المباشر في حرب 2026. ومع ذلك، تكشف المحصلة التاريخية لهذه المسارات أن واشنطن لم تنجح في تحقيق هدفها الاستراتيجي والمتمثل في إقناع طهران بضرورة تغير سلوكها السياسي. إلا أن المفارقة تتمثل في أن هذه السياسات أسهمت، بدرجات متفاوتة في إعادة تأهيلها إقليمياً ودولياً.
فاعتماد واشنطن لتلك السياسات مبكراً، عبر فرض العزلة السياسية والاقتصادية باعتبارها أداة لإضعاف الجمهورية الإسلامية ورفع كلفة سلوكها الإقليمي والدولي. إلا أن العقوبات المتصاعدة، ولا سيما تلك التي استهدفت قطاعات النفط والطاقة والمصارف والتحويلات المالية، لم تؤدِّ إلى تفكيك بنية السلطة أو تغيير خياراتها الاستراتيجية. فقد أفضت إلى عكس ذلك، بل وإلى توسع الاقتصاد غير الرسمي، وتعاظم نفوذ المؤسسات الأمنية وشبه الحكومية القادرة على إدارة شبكات الالتفاف على العقوبات. كما وفرت هذه الضغوط للنظام خطاباً يربط بين الاعتراض الداخلي والتهديد الخارجي، وبما يسمح بتحويل العقوبات من أداة إضعاف إلى مورد سياسي للتعبئة وإعادة إنتاج شرعية دولية وإقليمية.
ولم يمثل الاتفاق النووي لعام 2015 خروجاً كاملاً من منطق الاحتواء، بل كان صياغة أكثر مرونة له. إذ سعت واشنطن إلى مقايضة القيود المفروضة على البرنامج النووي برفع جزئي للعقوبات وإدماج محدود لإيران في الاقتصاد الدولي. غير أن ضيق نطاق الاتفاق، واستبعاد الملفات الإقليمية والأمنية الأخرى منه، فضلاً عن هشاشة الالتزام الأمريكي به، جعلت نتائجه مؤقتة. وقد أدى الانسحاب الأمريكي اللاحق إلى تعزيز السردية الإيرانية ورفع من وزن الأجنحة الأكثر تشدداً داخل النظام.
أما على المستوى الإقليمي، فقد أظهرت تجارب العراق وسوريا ولبنان واليمن أن سياسة الاحتواء أخفقت في منع إيران من بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود ضمن تعريف «عمقها الإقليمي». فقد استطاعت طهران استثمار الفراغات الأمنية، وضعف الدول الوطنية في بعض البيئات العربية، والتنافس بين القوى الدولية، لتطوير أدوات تأثير لا تعتمد حصراً على قوتها العسكرية التقليدية، بل توظيف ثقل أذرعها. وهكذا تحوّل احتواء إيران من مسألة ثنائية (بين واشنطن وطهران) إلى إدارة صراعات إقليمية متداخلة، تمتلك فيها إيران أوراقاً تفاوضية وأمنية متعددة.وتؤكد الحرب الأمريكية الراهنة على إيران حدود الرهان على القوة العسكرية بوصفها حلاً نهائياً. فالعمل العسكري ألحق أضراراً بقدرات طهران المادية، لكنه فشل في فرض معادلة تماثل إسقاط أو تغير النظام كما ادعى الرئيس ترامب. بل ومنح طهران الفرصة لتوحيد المجال السياسي خلف خطاب الدفاع عن السيادة الوطنية، وتعزيز موقع المؤسسات الأمنية في الداخل.
وعليه، فإن معضلة الاحتواء من خلال مقاربات تفتقر الاستدامة (استراتيجية طويلة الأمد) لن تؤدّي إلى إضعاف النظام الإيراني بقدر مساعدته على التكيف وإعادة التموضع. فالثابت في السياسة الأمريكية لم يكن نجاح الاحتواء، بل مساهمته الدائمة، وربما غير المقصودة في إعادة تأهيل النظام بوصفه فاعلاً لا يمكن تجاوزه إقليمياً.