ليست عظمةُ الرجال فيما يأخذونه من زمانهم، بل فيما يتركونه لزمانٍ يأتي بعدهم؛ ولا فيما يبلغونه من المجد في حياتهم، بل فيما يبقى من ذلك المجد بعد رحيلهم. فمن الرجال من تنقضي أيامه فينقضي معها أثره، ومنهم من تنقضي أيامه فتبتدئ بها أعمارٌ من الأثر لا تنقضي؛ يغيب شخصه ويبقى نهجه، ويسكن صوته ويبقى صداه. ومن هؤلاء كان صاحبُ العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، حاكمُ البحرين وتوابعها، طيّب الله ثراه، عيسى الكبير؛ رجلًا غرس في أرض البحرين غرسًا، وأرسى في بنيانها أُسسًا، وأوقد في مسيرتها قبسًا، ثم مضى وبقي الغرس يُورق، والأساس يَرسخ، والقبس يُشرق.
وما كان غرسُ عيسى الكبير غرسًا في تربة، بل غرسَ قائدٍ في وطن؛ سقاه بالحكمة حتى اشتدّ عوده، وحاطه بالبصيرة حتى استقام أمره، وتعاهده بالحزم حتى ثبت أصله، ثم تركه لمن بعده ميراثَ مجدٍ يُصان؛ أمانةً ورسالةً يحملها الوجدان، وعهدًا يسلّمه الأب للابن، ويحمله الحفيد عن الجد؛ حتى صار الوفاء فيه نهجًا ونسبًا، وصارت خدمة البحرين في ذريته عهدًا باقيًا. وهنا تكمن عظمةُ عيسى الكبير؛ فما كلُّ من حكم أسّس، ولا كلُّ من أسّس امتدّ أثره، ولا كلُّ من ترك أبناءً ترك فيهم امتداده. أما هو، فقد كان من أولئك الذين لا ينتهي حضورهم حين تنقضي أعمارهم؛ لأنهم يضعون في أعناق من بعدهم عهدًا عظيمَ المقدار، ويتركون في ضمائرهم أمانةً أبقى من الأعمار.
فما أورث ذريته اسمًا وحسبًا فحسب، بل أمانةً ينهضون بها؛ ولا مجدًا يستريحون إليه، بل مجدًا يزيدون عليه؛ ولا تاريخًا يروونه فحسب، بل تاريخًا يواصلون كتابته. ومنذ ذلك العهد، تعاقبت السنون ولم ينقطع الغرس، وتعاقبت العهود ولم ينقطع العهد، وتعاقب الرجال ولم تنقطع الرسالة. جاء من بعد عيسى الكبير رجالٌ من صلبه، يحملون من اسمه نسبًا، ومن نهجه سببًا، ومن أمانته واجبًا؛ كلُّ واحدٍ يتسلّم البحرين ممن سبقه فلا يبدأ بها من جديد، وإنما يبدأ من حيث انتهى السابق، فيزيد في البنيان بنيانًا، وفي العمران عمرانًا، وفي المكانة مكانةً، وفي المجد مجدًا؛ حتى أصبح تاريخُ الحكم في البحرين مسيرةً يشدُّ آخرها أولها، ويشهد حاضرها لماضيها، ويُبشّر ماضيها بحاضرها.
وهكذا لا يعود التاريخ أسماءً تتعاقب، بل أماناتٍ تتعانق؛ ولا يصبح المُلك عهودًا تنفصل، بل مسيرةً تتصل. أبٌ يسلّم ابنًا، وجدٌّ يأتمن حفيدًا، وسلفٌ يستودع خلفًا، والبحرين بين هذه الأيدي الأمينة تكبر ولا تشيخ، وتتجدّد ولا تنقطع، وتمضي إلى غدها وهي تحمل من أمسها ما يُقوّي خطاها ولا يُقيّد مداها. كأن كلَّ جيلٍ من آل خليفة الكرام كان يسمع في ضميره وصيةَ من سبقه: زِدْ في الغرس ولا تقتلع، وارفع في البناء ولا تهدم، وسلّم من يأتي بعدك وطنًا أعزَّ مما تسلّمت، ومجدًا أرسخَ مما ورثت.
ولذلك لم يكن عيسى الكبير أبًا لذريةٍ حملت اسمه ونسبه فحسب، بل أبًا لمسيرةٍ حملت شيئًا من حكمته وبصيرته؛ فمن غرسه امتدّت الأغصان، ومن أصله علت الأفنان، ومن ذلك الجذر الراسخ أينعت الثمار. وكلما امتدّ غصنٌ لم يستغنِ عن أصله، وكلما أينعت ثمرةٌ ردّت فضلها إلى غرسها، حتى غدت البحرين دوحةً من التاريخ، تعاقبت عليها الفصول فما أسقطت أصلها، وهبّت عليها الرياح فما اقتلعت جذرها، ومرّت بها السنون فما زادتها إلا في الأرض رسوخًا، وفي السماء ارتفاعًا.
ثم دارت دورةُ الزمن، وتناقلت الأجيال الأمانة، حتى حملها سيدي حضرةُ صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملكُ مملكة البحرين المعظم، حفظه الله ورعاه؛ فإذا بالعهد يتجدّد في مشروعٍ وطنيٍّ يُزاوج بين أصالة الدولة وتطلّعها، وبين رسوخ الهوية واتساع الرؤية. وكأن التاريخ، بعد طول مسيرته، أراد للاسم أن يردّ السلام على الاسم؛ عيسى الكبير في أول الغرس، وحمد بن عيسى في امتداد الغرس، وبينهما رجالٌ حملوا الأمانة، وصانوا المكانة، وأوصلوا الراية من يدٍ إلى يد، ومن عهدٍ إلى عهد، فما سقطت الراية، ولا ضاعت الوصية، ولا خبت جذوةُ المسيرة.
وفي عهد سيدي جلالة الملك المعظم، لم يكن الوفاء للماضي وقوفًا عنده، وإنما مُضيًّا به إلى المستقبل؛ فالوفاء للمؤسسين ليس أن نحفظ أسماءهم في السجلات، بل أن نحفظ غرسهم بالمُنجزات، وليس أن نستعيد أيامهم بالحكايات، بل أن نمدّ أعمارهم بالإنجازات. ومن هنا يغدو حاضرُ البحرين شاهدًا لماضيها، ويغدو مستقبلها وفاءً لكليهما؛ فالدولة التي غُرست لها الجذور بالأمس، هي الدولة التي تمتد لها الأغصان اليوم، وهي ذاتها التي ستقطف أجيالُ الغد ثمارها.
ومن أبلغ معاني الوفاء أن يأتي عامُ عيسى الكبير، فيكون عامًا ليس لعدِّ السنين التي مضت، ولا لذكرى انقضت؛ بل لاستحضار سيرةٍ لم تغب، وتأمّل أثرٍ بقي، ومسيرةٍ امتدّت. وفي كل فصلٍ شيءٌ من ذلك الغرس الأول، وفي كل مُنجزٍ شيءٌ من ذلك الحلم الأول، وفي كل رايةٍ تعلو شيءٌ من يد ذلك الرجل الذي غرس، ثم اطمأنّ إلى أن وراءه رجالًا سيحرسون الغرس.
ولعل هذا هو أجمل ما يمكن أن يقوله وطنٌ لمؤسسي مسيرته: أن يرى الغارسُ بعد أجيالٍ غرسه ولم يذبل، ويرى بناءه ولم يُهدم، ويرى أمانته ولم تُضع، ويرى ذريته لم تجعل من مجده وسادةً تستريح عليها، بل سُلّمًا ترتقي به إلى مجدٍ جديد. فما أعظمَ أن يغرس الرجل شجرةً فيستظل بها أبناؤه، ولكن أعظمُ منه أن يغرس نهجًا فيستظل به وطن؛ وما أجلَّ أن يترك الإنسان اسمًا في ذريته، ولكن أجلُّ منه أن يترك في ذريته وطنًا يحملونه، وعهدًا يصونونه، ومجدًا يزيدونه.
رحم الله عيسى الكبير، وجزاه عن البحرين وأهلها خير الجزاء؛ فقد مضى الغارس وبقي الغرس، وغاب الرجل وبقي الأثر، وانقضى العمر وما انقضى العهد. وسيبقى اسمه ما بقيت البحرين شاهدًا على أن الرجال الكبار لا تطويهم الأعوام إذا أبقوا وراءهم وطنًا أبيًّا عزيزًا شامخًا، ولا تحجبهم الأيام إذا تركوا بعدهم رجالًا؛ فمن عيسى الكبير ابتدأ الغرس، وبذريته امتدّ الفرع، وبالوفاء اخضرّ الزرع، وبالبحرين بقي المجد أصلًا لا يُقتلع، وعهدًا لا ينقطع، ورايةً تسمو ولا تنخفض، وذِكرًا كلما تقادم به الزمان ازداد في القلوب رسوخًا، وفي التاريخ شموخًا.