أستعرض هاهنا الأسباب التي تجعل أداء المكيفات أقل في الرطوبة العالية عن أدائها في الرطوبة المنخفضة، وأوجزها في النقاط الأربع التالية:
أولاً: استهلاك الطاقة في التكثيف (الحرارة الكامنة)؛ فبدلاً من تركيز المكيف كل قوته على خفض درجة حرارة الهواء (الحرارة المحسوسة)، يضطر لتحويل جزء كبير من قدرته إلى سحب الرطوبة من الهواء وتحويل بخار الماء إلى ماء سائل (الحرارة الكامنة).
ثانياً: تراكم الماء على الملفات
(Evaporator Coils)؛ ففي الجو الرطب تتكثف كميات كبيرة من الماء على الملفات الداخلية للمكيف، مما قد يشكل عازلاً حرارياً يعيق التبادل الحراري السريع بين الهواء والوسيط المبرد.
ثالثاً: الشعور البشري بالحرارة؛ ففي الجو الرطب، يصعب على الجسم التخلص من الحرارة عن طريق تبخر العرق، مما يجعلك تشعر بأن الجو أكثر حرارة حتى وإن كانت درجة الحرارة المسجلة على الشاشة منخفضة.
رابعاً: جهد مضاعف على الضغط (Compressor)؛ تتسبب الرطوبة في خلق جو خانق نسبياً، فيعمل الضاغط لفترات أطول وبجهد أعلى للوصول إلى درجة الحرارة المطلوبة وتخفيض مستوى الرطوبة لمستوى مريح، مما يرفع استهلاك الكهرباء، ويقلل كفاءة التبريد.
- مقدار النقص في كفاءة المكيف في الجو الرطب مقارنة بالجو الجاف:
تعتمد النسبة الدقيقة للنقص في الكفاءة والزيادة في استهلاك الكهرباء على درجة حرارة الجو الخارجي ومستوى الرطوبة النسبية، ولكن من الناحية الهندسية والديناميكية الحرارية (Psychrometrics)، يمكن تحديد القيم والأرقام التقريبية - استناداً إلى الأحمال الحرارية الكامنة والمحسوسة على النحو التالي:
1. نسبة الزيادة في استهلاك الكهرباء:
تتراوح نسبة زيادة استهلاك الطاقة لمكيف الهواء في الأجواء عالية الرطوبة (مثل تجاوز الرطوبة 70% إلى 80%) مقارنة بالأجواء الجافة بين 15% إلى 30% تقريباً، وقد تزيد عن ذلك في حال كان المكيف يعمل لفترات متواصلة دون فصل. ويرجع هذا الارتفاع إلى أن استهلاك نسبة كبيرة من قدرة التبريد الكلية (تصل أحياناً إلى 30% إلى 50% من طاقة التبريد في الظروف الرطبة جداً) في الحمل الكامن (Latent Load) المخصص لإزالة بخار الماء وتكثيفه، بينما يُخصص الباقي لـ للحمل المحسوس» (Sensible Load) الخاص بخفض درجة الحرارة.
2. مقدار النقص في الكفاءة:
تنخفض كفاءة التبريد الفعلية أو معامل الأداء للمنظومة (Coefficient of Performance - COP) بنسبة تتراوح بين 20% إلى 35% في البيئات الرطبة مقارنة بالبيئات الجافة ذات نفس درجة الحرارة بسبب اضطرار الضاغط (Compressor) والمروحة للعمل لفترات أطول للوصول إلى نقطة الراحة المطلوبة يقلل من الكفاءة الكلية للمستهلك. وسبب اختلاف النسب يمكن إيجازه في التالي:
أ- معامل حرارة المعالجة (Sensible Heat Ratio): كلما زادت الرطوبة، انخفضت قيمة معامل حرارة المعالجة ، مما يعني أن المكيف يبذل جهداً أكبر في طرد الرطوبة على حساب خفض درجة الحرارة الفعلية للهواء الخارج من الفتحات.
ب- درجة حرارة المكثف الخارجي: إذا كانت الرطوبة العالية مصحوبة بارتفاع في درجات الحرارة والضغط الجوي، تقل كفاءة طرد الحرارة في الوحدة الخارجية (ملفات التكثيف)، مما يضاعف من هبوط الكفاءة الكلية للنظام.
- التغير المناخي سيسبب في نقص أداء المكيفات وزيادة تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية:
مع التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة سنوياً، فإن الرطوبة المطلقة «كمية بخار الماء في كل متر مكعب» ستزداد وبالتالي فإن منظومة التبريد ستقل كفاءتها، وسيزداد استهلاكها للطاقة؛ مما يزيد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. والفيزياء وراء هذا الاستنتاج تسير هو أن معادلة كلازيوس-كلابيرون في الديناميكا الحرارية إلى أنه كلما ارتفعت درجة حرارة الغلاف الجوي، زادت قدرته على حمل بخار الماء بنسبة تقارب 7% لكل درجة مئوية واحدة من الاحترار، علماً بأن كل الدراسات تشير إلى أن دول الخليج العربي ستزداد متوسط درجة الحرارة فيها بمقدار 3° إلى 45 °م -على الأقل- في عام 2050!
وبناءً على ذلك، وفي ظل الاحترار العالمي والتغير المناخي، فإن الرطوبة المطلقة «كمية بخار الماء الفعلية في وحدة الحجم» والرطوبة النوعية «كتلة بخار الماء بالجرام الموجودة في وحدة الكتلة من الهواء الرطب بالكيلوجرام» في تزايد مستمر عالمياً، خصوصاً في المناطق الساحلية، مما يجعل المكيفات تستهلك حصة أكبر بكثير من طاقتها لإزالة الرطوبة الكثيفة، مما يقلل من معامل الأداء العام للمنظومة، ويزيد من زمن تشغيل الضاغط، وهذا سيؤدي إلى زيادة الطلب على الكهرباء؛ مما يؤدي لقفزة حادة في الطلب على الطاقة «خصوصاً خلال ذروة الصيف»، وبما أن الجزء الأكبر من توليد الكهرباء في عالمنا اليوم ما زال يعتمد على الوقود الأحفوري، فإن حرق المزيد من الوقود لتشغيل المكيفات سينتج عنه زيادة في انبعاثات غازات الدفيئة.
أضف إلى ذلك تنطلق حرارة إضافية إلى البيئة المحيطة «المدن» عبر وحدات التكييف الخارجية مساهمة في تفاقم ظاهرة «الجزيرة الحرارية الحضرية «Urban Heat Island Effect»، لتدور العجلة في حلقة متسارعة من الاحترار وزيادة الاعتماد المفرط على التكييف.
* أستاذ الفيزياء التطبيقية
بجامعة الخليج العربي