يمثل إطلاق شركة ميتا لنموذج Muse Glimmer تحولاً لافتاً في سوق الذكاء الاصطناعي؛ إذ يقدم نموذجاً متقدماً قادراً على العمل بالكامل على الأجهزة الاستهلاكية، ومتاحاً للاستخدام مجاناً، ما يضع ضغوطاً مباشرة على المنافسين الذين تعتمد نماذج أعمالهم على بيع خدمات الوصول إلى الذكاء الاصطناعي عبر الحوسبة السحابية. فقد أصبح بالإمكان اليوم تشغيل نموذج بحجم يسمح بتخزينه وتشغيله على حاسوب مخصص للألعاب، مع قدرته على تنفيذ جزء كبير من المهام التي يدفع المستخدمون مقابلها رسوماً شهرية لاستخدام واجهات برمجة التطبيقات (APIs).

أطلقت مختبرات ميتا للذكاء الفائق (Meta Superintelligence Labs) نموذج Muse Glimmer الذي يضم 30 مليار معلمة، وتم تحسينه خصيصاً لتنفيذ مهام وكلاء الذكاء الاصطناعي، والبرمجة، والتقييم، وذلك بموجب ترخيص Apache 2.0 المرن. وعند ضغط النموذج باستخدام تقنية التكميم إلى 4 بت، ينخفض حجمه إلى أقل من 20 غيغابايت، ما يتيح تشغيله على بطاقة رسوميات استهلاكية واحدة أو على أجهزة Mac، من دون الحاجة إلى إنشاء حساب أو الاتصال بخدمات سحابية أو دفع رسوم مقابل الرموز (Tokens) المستخدمة.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن أبرز ما في هذا الإعلان هو عودة ميتا إلى نهج المصادر المفتوحة بعد ابتعادها عنه لأكثر من عام، إلا أن البعد الاستراتيجي الأهم يتمثل في تحديد الشركات القادرة على تقديم مثل هذه النماذج مجاناً، وتلك التي لا تستطيع تحمل تبعات ذلك.

فإتاحة نموذج قوي ومجاني يعمل محلياً باستخدام قدرات المعالجة الموجودة لدى المستخدم تحقق لميتا فوائد استراتيجية، من دون فرض أي رسوم على الطبقة التقنية التي يعتمد منافسوها على بيعها لتحقيق الإيرادات. وبعبارة أخرى، عندما تجعل الشركة الجزء الذي لا تعتمد عليه في تحقيق إيراداتها متاحاً بتكلفة شبه معدومة، فإنها تضغط في الوقت نفسه على الجزء الذي يعتمد عليه منافسوها كمصدر أساسي للدخل، وتجعل المنافسة فيه أقل ربحية.

- استراتيجية اقتصادية قديمة في سوق جديد:

يعيد هذا التوجه إلى الأذهان أحد الدروس المستخلصة من تجربة Google في مطلع الألفية. ففي ذلك الوقت، ساد اعتقاد بأن البحث عبر الإنترنت سيتحول إلى خدمة أساسية منخفضة القيمة، وأن القيمة الاقتصادية الحقيقية ستنتقل إلى التطبيقات والخدمات المبنية فوقه. إلا أن Google سيطرت على الطبقة الأساسية التي تعتمد عليها تلك الخدمات، ثم توسعت تدريجياً إلى العديد من الأنشطة المبنية فوقها.

وتتبنى ميتا اليوم رهاناً مشابهاً ولكن من موقع مختلف؛ فهي تمتلك قواعد ضخمة من البيانات ومنصات واسعة للتوزيع والوصول إلى المستخدمين، ولذلك تستطيع التعامل مع نموذج الذكاء الاصطناعي نفسه باعتباره عنصراً مجانياً يعزز قيمة الأصول والمنصات التي تحقق منها إيراداتها الفعلية.

- التحول نحو الذكاء الاصطناعي على الأجهزة:

تتمثل الإشارة الثانية المهمة في حجم النموذج نفسه. فوجود نموذج بحجم يقارب 20 غيغابايت قادر على تشغيل وكيل ذكاء اصطناعي فعّال على جهاز المستخدم يعني أن الطلب على القدرات الحاسوبية قد ينتقل تدريجياً من مراكز البيانات السحابية إلى الأجهزة الشخصية.

ويستند ذلك إلى منطق اقتصادي وتقني معروف: كلما انخفضت تكلفة إحدى القدرات، واقتربت من الصفر، زاد دمجها في المنتجات والخدمات، وارتفع إجمالي استخدامها بدلاً من أن ينخفض. وبالتالي، فإن انخفاض تكلفة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي قد يمهد لوجودها بصورة مستمرة في كل حاسوب محمول وهاتف ذكي ونظارة ذكية وغيرها من الأجهزة.

وعندما تصبح قدرات الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة إلى درجة تسمح بتشغيلها في أي مكان، فمن المرجح أن تصبح موجودة في كل مكان. ويقدم نموذج يمكن تشغيله على وحدة معالجة رسومية (GPU) استهلاكية مؤشراً مبكراً على هذا المستقبل.

وفي الوقت نفسه، قد يؤدي هذا التحول إلى توسيع سوق الشرائح والمعالجات المستخدمة داخل الأجهزة الشخصية، بدلاً من تقليص الطلب عليها، مع تزايد الحاجة إلى أجهزة قادرة على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محلياً بكفاءة.