من طعن البحرين في ظهرها يوماً، ومن حاول الانقلاب على نظامها، ومن فُضح ارتباطه العميق بالنظام الإيراني وولاية الفقيه، وجعل ولاءه للخامنئي فوق ولائه لوطنه، ومن حاول دق إسفين الفرقة بين أبناء الشعب البحريني باستغلال تنوع المذاهب وتباين الرؤى والأفكار، هؤلاء آخر مَن يحق لهم الحديث عن البحرين والوطنية والإصلاح والعدالة.
هؤلاء يتحدثون دائماً وأبداً بالسوء عن البحرين، عن نظامها وقيادتها، وعن أبناء المذهب الذي لا ينتمون إليه، بل ويهاجمون حتى أبناء مذهبهم طالما اختلفوا معهم في مخططاتهم ضد البحرين، وطالما رفضوا اختطاف إرادتهم وتحويلهم إلى مجرد أرقام تزج في محرقة المواجهة مع وطنهم.
وحين ترونهم يزينون خطاباتهم بالكلام المثالي عن الوطن وحقوق الناس والحريات وحقوق الإنسان ومعايير العدالة والإنصاف، فلا تنخدعوا بهذه اللغة. اسألوا من تعامل معهم، ومن واجههم بالمنطق، ومن دحض أكاذيبهم ومبالغاتهم وفبركاتهم.
يدعون احترام البشر، لكن خطاب بعضهم طائفي حتى النخاع. يحتقرون كل فئة أو جماعة أو فرد يختلف معهم. وحين تضيق بهم الحجة، يسقط القناع سريعاً، ويتحول خطابهم المدعي للمثالية إلى خطاب تسقيطي سوقي وبذيء.
هنا تكمن المفارقة المضحكة؛ إذ أين ذهبت فجأة شعارات التسامح وحقوق الإنسان واحترام الرأي الآخر؟! أين اختفت اللغة المنمقة التي يقدمونها لمن يسلم لهم عقله، أو لبعض وسائل الإعلام التي تستمع إلى روايتهم من دون أن تدقق في التاريخ والنوايا والارتباطات؟!
ناقشهم، واجه روايتهم، اكشف تناقضاتهم، وسترى وجهاً آخر، سباب وشتائم وبذاءة وتسقيط، وأحياناً تخوين وتكفير. وحين تكشف ما تعتبره البحرين ارتباطاً بمشروع النظام الإيراني، وتذكر بتاريخ من اصطفوا معه ضد وطنهم، يتحرك الذباب الإلكتروني لتجد أمامك أسفل الكلمات وأبشع التوصيفات.
هنا لا أملك إلا أن أضحك، لأن كل إناء بما فيه ينضح.
أما المشهد الأكثر هزلية، فهو حين يخرج علينا اليوم من ارتبط اسمه بمشاريع استهدفت أمن البحرين واستقرارها، ليتحدث عن الوطنية والإصلاح والعدالة، في الوقت الذي تواجه فيه منطقتنا تهديدات إيرانية مباشرة وتداعيات سياسات طهران وأذرعها.
يبحثون عن العدالة والإنسانية حين تخدم خطابهم وأجندتهم في البحرين، لكن حين تكون إيران هي المتهمة، تتبدل المعايير فجأة. يصمتون عن القمع والانتهاكات، وعن الطائفية السياسية، وعن سجل حقوق الإنسان، وعن سياسات النظام الإيراني وتدخلاته وأجنداته في المنطقة. ما يطالبون به للبحرين لا يجرؤون على المطالبة بجزء منه أمام طهران.
هذه الازدواجية هي التي تفضح الخطاب أكثر من أي شيء آخر.
الوطنية ليست شعاراً يرفع عند الحاجة، وليست كلمة تستخدم لتجميل تاريخ سياسي أو تبييض مواقف سابقة. الوطنية موقف عندما يكون الوطن مستهدفاً. والولاء لا يقاس بحجم الكلمات التي تقال عن البحرين، بل بالموقف منها عندما تتعارض مصلحتها مع مصالح القوى الخارجية.
لذلك مهما زين البعض خطابه، ومهما حاول إعادة تقديم نفسه بصورة مختلفة، فإن التاريخ لا يُمحى بالكلمات، والمواقف لا تختفي بتغيير اللغة. ومَن اختار يوماً أن يقف مع مشروع خارجي ضد وطنه، عليه قبل أن يلقي علينا دروس الوطنية أن يجيب عن تاريخه ومواقفه وولاءاته.
مَن يعمل لمصلحة دولة أجنبية على حساب وطنه لا يملك حق توزيع شهادات الوطنية على البحرينيين، ومن اصطف ضد بلاده لا يصبح حريصاً عليها لمجرد أنه أتقن خطاباً جديداً.
مَن يبيع وطنه مرة، سيظل تاريخه شاهداً عليه مهما حاول رفع صوته مدعياً أنه حريص على الوطن، هذا هو الكذب؛ لأن الحقيقة رأيناها وضوح العين.