فاطمة الصديقي

إيطاليا بلد الجمال والذوق الرفيع، وهي ليست مجرد وجهة سياحية، بل حكاية جميلة تسردها كل مدينة؛ فلورنسا بجمالها، والبندقية بسحر قنواتها، وميلانو بإيقاعها العصري، حيث الأناقة والحداثة، وروما بعظمتها التي تحكي التاريخ القديم قبل الميلاد على جدران كل زاوية. تكتشف أن السياحة فيها ليست جولة عابرة، وإنما تجربة تعلمك كيف تنصت للتاريخ والجمال والطبيعة. تمشي بين معالم شُيدت منذ آلاف السنين لتبقى حاضرة شاهدة على عصور القوة والمعرفة والثقافة، ليعود الزائر من رحلته بذكريات لا تُنسى؛ لأنه لا يزور روما، بل يعيش قصصاً لا تزال حاضرة.

روما، المدينة الخالدة، تجمع بين كونها مدينة تاريخية ومركزاً للديانة المسيحية، وكونها عاصمة إيطاليا الحديثة. إرث قديم امتد لأكثر من 2500 عام كقلب للإمبراطورية الرومانية. تحتضن روما الآثار القديمة التي تحبس الأنفاس من جمالها ودقة بنائها، والتي لا تزال صامدة ومبهرة، مثل الكولوسيوم والبانثيون والمنتدى الروماني والكثير غيرها. ولأنني أحب التاريخ، وأحب أن أتعرف إلى ثقافة الشعوب، وجدت أنني أعشق هذه المدينة بكل جوارحي، ولا أمل من زيارتها مراراً وتكراراً، ولا أتعب من زيارة الأماكن الأثرية؛ لأنني في كل زيارة أكتشف فيها تفاصيل أكثر، وأنا متعطشة لهذا الإرث الجميل. تأسرني هذه المدينة؛ لأنها نابضة بالحياة، بحركة الزائرين وكثرة المطاعم والمقاهي التي تقدم ألذ الأطعمة من المطبخ الإيطالي، والأهم من ذلك الشعور بأن شوارعها معلم سياحي تتنقل خلاله كجزء من الحياة اليومية. الجميل في روما أن الزائر لا ينفك عن التقاط الصور، فكل زاوية وطريق فيها لقطة تصلح لأن تتصور، وأن تكون لوحة خالدة. فالجمال في التفاصيل الدقيقة؛ في الأرصفة، وفي نوافذ البيوت، وفي الشرفات والزخارف وفن العمارة القديمة والتقليدية، التي تجعل الزائر في حالة انبهار من النظرة الأولى، حيث يتحول إلى تعلق وعشق يكفيان لتحويل الزائر أسيراً للحظات الجمال.

لذلك، تتميز روما بأنها تجعل الزائر يعيش التاريخ بعينيه في متحف مفتوح، من العهد الروماني القديم إلى إنجازات عصر النهضة والفترة الباروكية، حيث يرى الزائر القديم والحديث، وتعانق الكنائسُ القصورَ والساحات التاريخية.

الكولوسيوم.. عظمة الإمبراطورية الرومانية

عندما يقف السائح عند الكولوسيوم، ينبهر بهذا الصرح العظيم، ليس كمشهد سياحي ثقافي، وإنما لعظمة الإمبراطورية الرومانية في بنائه الذي لا يزال واقفاً وصامداً منذ قرون. الكولوسيوم صرح مهيب من الخارج إلى الداخل، ذو شكل بيضاوي ومدرج بُني بعناية وهندسة فائقة، وهو إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة، وقد تم إدراج مدرج الكولوسيوم ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

شُيد الكولوسيوم في القرن الأول الميلادي، ويعتمد على هيكل من الخرسانة والحجارة، وعلى شبكة من الأقواس والأقبية المتداخلة لتوزيع الأحمال، حيث يتسع هذا المدرج لحوالي 50 إلى 80 ألف متفرج. وهو وجهة سياحية مهمة في روما للتعرف إلى أمجاد هذا البلد، حيث الساحات الداخلية والممرات السفلية التي كان يستخدمها المصارعون قديماً، وحيث كانت تُقام المسابقات والمصارعة والاحتفالات العامة.

قوس النصر.. قوس قسطنطين

يقع قوس النصر بالقرب من مدرج الكولوسيوم والمنتدى الروماني. بُني في عام 312 ميلادية احتفالاً بانتصار الإمبراطور قسطنطين الأول، وهو أكبر قوس نصر روماني باقٍ حتى اليوم. بُني من الرخام، ويتألف من ثلاثة أقواس، وتزينه النقوش البارزة والمنحوتات لمشاهد من حياة قسطنطين.

المنتدى الروماني.. تفاصيل الإبداع العمراني

يعد المنتدى الروماني من أجمل البقع الأثرية في روما؛ لأنه يسرد ثقافة الشعب الروماني آنذاك في مختلف الأصعدة. فهذا المنتدى عبارة عن مجموعة من الآثار لمدينة الحضارة الرومانية التي تشكل الحياة العامة للمدينة والأنشطة السياسية والاجتماعية والدينية والقانونية والتجارية التي كانت تُمارس. ففي هذه البقعة توجد بقايا معابد، مثل معبد زحل، وقواعد تماثيل وأقواس ومبانٍ حكومية. آثار في قمة الروعة تجعل السائح يتأمل هذه الحضارة الرومانية، وقوة تنظيمهم، وحسن إدارتهم للمدينة، واهتمامهم بتفاصيل الإبداع العمراني والفن المكمل لمكانتهم.

البانثيون «Pantheon»..

تصميم من الرخام والزخارف

البانثيون من أهم المعالم السياحية في روما، وترجمة معنى البانثيون أنه «معبد كل الآلهة» في روما القديمة. تم تشييد هذا الصرح كمعبد، ثم أصبح كنيسة مسيحية، وهو عبارة عن مبنى دائري به قبة وفتحة دائرية تسمى «أوكلوس»، وهي تسمح بدخول الضوء إلى الداخل. المبنى الدائري متصل بعدد من الأعمدة من الأمام والجوانب، والصفان الثاني والثالث يدعمان قاعدة تحمل الشكل المثلث. يتميز البانثيون بتصميم داخلي جميل من الرخام والزخارف. يوجد البانثيون في ساحة «بيازا ديلا روتوندا»، ويحيط بالمعبد مقاهٍ ومطاعم ونافورة البانثيون، وتعلوها مسلة مصرية تاريخية. يضم البانثيون عدداً من المقابر لأبرز ملوك إيطاليا والفنانين، مثل رافائيل.

نافورة تريفي.. رمي العملة

تعد نافورة تريفي من أكبر النوافير الباروكية في روما وأشهرها في العالم. الفن الباروكي في النحت هو طراز يتسم بالحركة، ويوحي بأن التماثيل تتحرك، وتظهر على ملامحها مشاعر الفرح أو الحزن بعمق وجدية. أما في نحت الأقمشة والثياب على التمثال، فتوحي بالحركة وضغط الهواء، أي إنها ليست جامدة، بل إن كل ما يدور حول التماثيل في حركة ديناميكية حقيقية، وهذا ما توحي به نافورة تريفي عند مشاهدة هذا الفن الجميل.

تتميز نافورة تريفي بأنه كما يطلق عليها تجسد «إله البحر» في منحوتات رخامية، يجر عربة بها حصانان، ومحاط بفتيات يرمزن إلى الخصوبة والنقاء والبركة. يقصد الكثير من الزوار هذا المكان الجميل، خاصة أن البعض يعتقد أن هذه النافورة تحقق الأمنيات من خلال رمي العملات. فما على السائح إلا أن يعطي ظهره للنافورة، ويرمي قطعة نقدية من يده اليمنى فوق كتفه الأيسر، ويتمنى. وتبلغ قيمة النقود التي تُرمى ما يقارب مليوني يورو سنوياً.

ساحة نافونا.. تعج بالزوار ليل نهار

تعد ساحة نافونا من أجمل الساحات في روما، والتي بُنيت على ملعب «الدوميتيان» في العهد الروماني القديم لإقامة الألعاب. وتتميز بالشكل البيضاوي طولاً، وتضم ثلاث نوافير، وهي نافورة الأنهار الأربعة للفنان برنيني، والتي تمثل أنهار القارات: نهر النيل، ونهر الدانوب، ونهر الغانج، ونهر ريو دي بلاتا، ونافورة نيبتون، ونافورة مور. كما توجد في الساحة كنيسة سانت أغنيس، وتشتهر الساحة بالمطاعم والمقاهي. هذه الساحة تعج بالزوار من كل مكان نهاراً وليلاً، وهي مكان جذاب وجميل جداً.

السلالم الإسبانية..

فيديو كليب كاظم الساهر

السلالم الإسبانية ليست أي سلالم، وإنما معلم سياحي يكتظ بالزائرين. سُميت بذلك لقربها من السفارة الإسبانية في روما، وفي الأصل كان يُطلق على هذا المكان اسم الكنيسة الواقعة بأعلى السلالم «ترينيتا دي مونتي». وتتكون من 135 درجة، وهي درج واسع. وتتوسط ساحة السلالم نافورة على شكل قارب، والتي، كما قيل، ترمز إلى حادثة غرق روما القديمة، إذ جرفت مياه نهر «التيبر» القارب إلى هذا المكان. كما يوجد في الساحة العديد من المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم. والجدير بالذكر أنه تم في هذا المكان تصوير فيديو كليب أغنية الفنان العراقي كاظم الساهر الشهيرة «قولي أحبك».

لغة الطعام في روما.. والحياة النابضة بالحب

الطعام في روما لغة تختصر ثقافتهم فيما يأكلونه من طعام تعشقه كافة الشعوب، من القهوة الصباحية إلى الغداء والعشاء، وعشق المطبخ التقليدي. فالحركة وأسلوب الحياة نابضان بعشق المكان، والمقاهي المفتوحة، وثقافة ارتشاف القهوة وتناول الجيلاتي ببطء رغم صخب المكان، متعة بصرية وسمعية عندما تسمع الأغاني الإيطالية الرومانسية. حياة نابضة بالحب، ومواطنون يملؤهم الفخر بمدينتهم وثقافتهم، ونحن كزوار لهذه المدينة نعشق الحركة النابضة بالحياة.