75 ألف مساعدة إنسانية للمواطنين منذ انتقال الاختصاص للمؤسسة عام 2009
368 طفلاً استفادوا من مشروع "الفارس" و30 من زراعة القوقعة الإلكترونية
25 عاماً من العطاء الإنساني امتد أثرها إلى 18 دولة حول العالم
"نتاج خير البحرين".. من الرعاية إلى التمكين الاقتصادي
19 امرأة ينتقلن من تلقي المساعدة إلى ريادة الأعمال
7 موظفين بالمؤسسة كانوا من المستفيدين من الرعاية والكفالة
توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وتحسين الخدمات والقرار
شراكات إنسانية توسّع الأثر وتتجاوز الدعم التقليدي
"شيم الخير".. مبادرة لترسيخ ثقافة التطوع بين الشباب
تكامل الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع يعزز سرعة الاستجابة للأزمات
3 محطات تختصر مسيرة ربع قرن: سكن آمن.. إنسان متمكن.. عطاء مستدام
"البيوت الآيلة للسقوط".. معالجة جذور المشكلة وتوفير السكن الآمن
مركز ناصر العلمي والتقني.. استثمار في الإنسان وتأهيل للمستقبل
"أبراج الخير".. أصل استثماري يضمن استدامة العمل الإنساني
الدوسري: أفضل مساعدة هي تمكين الإنسان من بناء مستقبله بنفسه
أكد القائم بأعمال الأمين العام للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية إبراهيم دلهان الدوسري أن مسيرة المؤسسة كرّست الإنسان محوراً للعمل الإنساني والتنموي، انطلاقاً من الرؤية الملكية السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، الرئيس الفخري للمؤسسة.
وأشار الدوسري، في حوار مع "الوطن" بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، إلى أن مفهوم العمل الإنساني في المؤسسة تطور خلال السنوات الماضية من تقديم المساعدات والرعاية إلى التمكين وبناء القدرات وتحقيق الاستدامة، مؤكداً أن العطاء الحقيقي لا يقتصر على معالجة الاحتياج الآني، وإنما يمتد إلى التعليم والتأهيل والتمكين الاقتصادي والصحي والاجتماعي، بما يعزز قدرة المستفيدين على بناء مستقبلهم والاعتماد على ذواتهم.
واستعرض أبرز محطات المؤسسة خلال 25 عاماً من العمل الإنساني، مشيراً إلى تقديم أكثر من 75 ألف مساعدة إنسانية للمواطنين البحرينيين منذ انتقال هذا الاختصاص إلى المؤسسة عام 2009، إلى جانب مشاريع صحية وتنموية وإغاثية استفاد منها آلاف الأشخاص داخل البحرين وخارجها.
وتناول الحوار تجربة مركز «نتاج خير البحرين» باعتبارها نموذجاً للانتقال من الرعاية إلى التمكين، وقصص نجاح عدد من الأسر والمنتسبات اللواتي انتقلن من تلقي المساعدة إلى تأسيس مشاريعهن الخاصة، فضلاً عن جهود المؤسسة في إعداد أبنائها وتأهيلهم ليكونوا كوادر وطنية فاعلة.
كما تطرق الدوسري إلى دور الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات المحلية والدولية في توسيع الأثر الإنساني، وتجارب المؤسسة في الاستجابة للأزمات والكوارث، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في تطوير الخدمات.
وفي استشرافه للسنوات الخمس المقبلة، وضع الدوسري التمكين والاستدامة والاستثمار في الإنسان وتوسيع الشراكات والتحول الرقمي في مقدمة أولويات المؤسسة، فيما لخّص مسيرة 25 عاماً في ثلاث محطات: توفير السكن الآمن عبر مشروع «البيوت الآيلة للسقوط»، والاستثمار في الإنسان من خلال مركز ناصر العلمي والتقني، وبناء موارد مستدامة للعمل الإنساني عبر مشروع «أبراج الخير» الاستثمارية.
وكشف الدوسري خلال الحوار عن مواقف إنسانية ما زالت عالقة في ذاكرته، من بينها مشاركته في إيصال المساعدات الإغاثية إلى عدد من الدول، ولقاؤه بأطفال من غزة أنهوا علاجهم من السرطان في مركز الحسين للسرطان بالأردن، مؤكداً أن العمل الإنساني لا يختزل في القرارات والتوجيهات، وإنما يتحول إلى أثر حقيقي عندما يصل إلى الإنسان المحتاج في الميدان. وإلى نص الحوار:
كيف تقرأ المؤسسة أهمية اليوم العالمي للعمل الإنساني في ظل التحديات الإنسانية المتزايدة التي يشهدها العالم؟
- يمثل اليوم العالمي للعمل الإنساني مناسبة مهمة للتأكيد على أن خدمة الإنسان وصون كرامته مسؤولية مشتركة، خصوصًا في ظل تنامي الأزمات والكوارث والاحتياجات الإنسانية حول العالم. وتكتسب المناسبة أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسة هذا العام، مع احتفالها بمرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيسها، وهي مسيرة جسدت قيم العطاء والتكافل التي أرساها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، الرئيس الفخري للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، وجعلت الإنسان محوراً للعمل الإنساني والتنموي. وهذا ما شهدته المؤسسة بحمد الله تعالى منذ تأسيسها من إنجازات تمحورت في كون الإنسان محور التنمية، فضلاً عن المشروعات الإنسانية المُستدامة التي نفذتها المؤسسة داخل مملكة البحرين وخارجها.
ما الرسالة التي تود المؤسسة إيصالها في هذه المناسبة بشأن دور العمل الإنساني في بناء المجتمعات؟
- العمل الإنساني لا يقتصر على تقديم المساعدة، وإنما يسهم في بناء الإنسان والمجتمع وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات. ورسالتنا هي أن العطاء الحقيقي هو الذي يحفظ كرامة الإنسان، ويفتح أمامه فرص التعليم والتأهيل والتمكين، ويترك أثراً مستداماً يتجاوز الاستجابة للحاجة الآنية. كما أن مظلة العمل الإنساني يجب أن تشمل تكاتف جميع الجهود وتوحيدها، من أجل الاستثمار الأمثل في الموارد، ومن أجل توحيد الرؤى الإنسانية في تأسيس المبادرات والمشاريع الإنسانية المُستدامة.
كيف تطور مفهوم العمل الإنساني في المؤسسة خلال السنوات الأخيرة ليتجاوز تقديم المساعدات التقليدية؟
- تطور مفهوم العمل الإنساني في المؤسسة من الرعاية والكفالة وتلبية الاحتياجات الأساسية إلى منظومة متكاملة تقوم على الرعاية والاحتضان والتمكين. فأصبحت خدماتنا تشمل التعليم والصحة والإرشاد الأسري والتأهيل والتمكين الاقتصادي، إلى جانب المساعدات الإنسانية والاستجابة للطوارئ، بما يساعد المستفيد على بناء مستقبله وتعزيز قدرته على الاعتماد على ذاته.
ولعل مركز «نتاج خير البحرين» الذي أطلقته المؤسسة في العام 2019، انطلاقاً نحو الانتقال من الرعاية إلى التمكين، ومساعدة الأسر المنتسبة على تطوير قدراتها وتحويل مهاراتها إلى فرص إنتاجية واقتصادية، هو خير شاهد على حرص المؤسسة على تمكين الأسر، وتوظيف قدراتها في الخروج بمشاريع نوعية تصب في صالحها، من أجل تمكينها اقتصادياً.
فالمركز يعمل على تدريب وتأهيل الأسر المنتجة في مجالات متنوعة، من خلال الدورات والورش المتخصصة في الحرف والمشغولات والطبخ والتصنيع وغيرها من المهارات، إلى جانب تطوير المنتجات وتحسين جودتها ومساعدة المنتسبات على الوصول إلى الأسواق.
هل لديكم قصص نجاح لأشخاص أو أسر انتقلوا من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على أنفسهم؟ وما أبرز هذه النماذج؟
- نعم، ولدينا نماذج عديدة تعكس نجاح فلسفة التمكين، خصوصاً من خلال دعم الأسر المنتجة والمشاريع المنزلية والحرفية، إلى جانب التدريب والتأهيل والاستعداد لسوق العمل. ومن خلال مركز «نتاج خير البحرين» تحديداً، انتقلت العديد من المنتسبات من مرحلة اكتساب المهارة إلى تطوير المنتجات وتسويقها والمشاركة في المعارض، وتحويل هذه المهارات إلى مصدر دخل واستقلال اقتصادي. وهذه النماذج تُعد من أهم المؤشرات على نجاح الانتقال من الرعاية إلى التمكين.
ومن أبرز هذه القصص خريجات مركز «نتاج خير البحرين» في برنامج الطبخ، والبالغ عددهن 19 امرأة من الأرامل واليتيمات، ممن تم تمكينهن بعد خضوعهن لبرامج التدريب وريادة الأعمال، وأصبحن اليوم رائدات أعمال يمارسن مشاريعهن بصورة مستقلة وخرجن من دائرة الاعتماد ومتلقي المساعدة، إلى الاعتماد على الذات وريادة الأعمال. كما لدينا نحو 7 موظفين كانوا من المستفيدين من الرعاية والكفالة في صغرهم، وهم اليوم موظفون في المؤسسة، ويسهمون في خدمة الأسر المستفيدة. وهناك أيضاً عدد من أبناء المؤسسة الذين يتبوؤون مناصب قيادية في مملكة البحرين، ومن بينهم طالب قيادي نفخر بمشاركته في (مدينة الشباب 2023).
وفي الحقيقة، كل يتيم في المؤسسة تقف وراءه قصة نجاح، وهذه القصص هي ثمرة حقيقية لفلسفة التمكين التي نؤمن بها ونعمل على ترسيخها.
ما أكثر مشروع إنساني تعتقدون أنه أحدث أثراً استثنائياً في حياة المستفيدين خلال السنوات الأخيرة؟ ولماذا؟
- من الصعب اختزال مسيرة المؤسسة في مشروع واحد، لكن هناك مشاريع نوعية كان لها أثر مباشر وواضح، فالمؤسسة بحمد الله تعالى وتوفيقه، قدمت خلال مسيرتها أكثر من 75 ألف مساعدة إنسانية للمواطنين البحرينيين منذ انتقال هذا الاختصاص إلى المؤسسة عام 2009. ومن أبرز المشاريع والمبادرات الإنسانية التي قدمتها مشروع «الفارس» لتوفير مضخات الأنسولين للأطفال المصابين بالسكري، واستفاد من المشروع 368 طفلاً، إضافة إلى مشروع زراعة القوقعة الإلكترونية الذي استفاد منه 30 طفلاً. فهذه المشاريع لا تقدم مساعدة مؤقتة، وإنما توفر حلولًا صحية تنعكس بصورة مباشرة على حياة الأطفال وقدرتهم على التعلم والاندماج وممارسة حياتهم بصورة أفضل. وجميعها مشاريع نوعية، تتم بالشراكة مع مؤسسات المجتمع، والداعمين المستمرين مع المؤسسة طيلة مسيرتها الإنسانية.
كيف تساهمون في تمكين أبناء المؤسسة، وصقل شخصياتهم وإعدادهم للمستقبل، بما يضمن من زرع قيم الإنسانية في نفوسهم؟
- لم تقتصر جهود المؤسسة على الجانب الأكاديمي، بل امتدت إلى بناء شخصية الأبناء وتنمية قدراتهم ومهاراتهم من خلال مجموعة من البرامج التربوية والتطويرية وزرع القيم الإنسانية، التي تهدف إلى تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية الإبداع وروح المبادرة، وترسيخ قيم الانتماء الوطني.
وفي هذا الإطار، نفذت المؤسسة عدداً من البرامج النوعية الهادفة إلى إعداد الأبناء وتمكينهم، من أبرزها منذ التأسيس "الملتقى القيادي" الذي انطلق عام 2005، ليشكّل نواةً لإعداد قيادات واعدة من أبناء المؤسسة، من خلال الارتقاء بمهاراتهم الحياتية، وتعزيز قيمهم التربوية والوطنية، وتأهيلهم للإسهام في خدمة الوطن. وإعداد أجيال من أبناء المؤسسة الذين أصبحوا اليوم أطباء ومهندسين وإعلاميين ودبلوماسيين وقيادات وطنية يسهمون في خدمة وطنهم، بما رسخ مكانة المؤسسة بوصفها أحد أبرز النماذج الوطنية في العمل الإنساني المستدام. واستمرت المؤسسة على هذا النهج، وبحمد الله تعالى، تنظم اليوم برامج تأهيلية مستمرة للشباب، وإشراكهم في الإشراف على البرامج والأنشطة، بما يصقل في نفوسهم حب الخير وخدمة المجتمع.
حدثنا عن الشراكات التي أبرمتها المؤسسة مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية؟ وما أبرز نتائجها؟
- للمؤسسة شراكات واسعة مع مختلف القطاعات، ولا ننظر إلى الشراكة باعتبارها مجرد عدد من الاتفاقيات، وإنما باعتبارها وسيلة لتوسيع الأثر الإنساني. وقد أسهمت هذه الشراكات في تنفيذ مشاريع صحية وتعليمية وتنموية وإغاثية، ودعم الأسر المنتجة، وتوفير الخدمات والخبرات، والوصول إلى شرائح أوسع من المستفيدين. وقد تبين ذلك من خلال المساهمة الفاعلة لمؤسسات المجتمع في عدد كبير من المبادرات التي أطلقتها المؤسسة، ومن ضمنها مبادرة "أمينة" بالشراكة مع جمعية تحقيق أمنية بدولة الإمارات العربية المتحدة، لتحقيق أمنيات الأطفال المصابين ببعض الأمراض الخطرة، إضافة إلى مساهمة البحرين في مشروع الفارس الشهم لإيصال المساعدات الإغاثية العاجلة للأشقاء في قطاع غزة، ومساهمة مؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية بدولة الإمارات في دعم المشاريع الإنسانية الخارجية، وفي دعم مشروع الزواج الجماعي السنوي الذي تنظمه المؤسسة، فضلًا عن التعاون الداخلي في المشاريع الصحية مع المستشفى العسكري، ومستشفى السلمانية، ومستشفى الملك حمد في دعم مشروع مضخات الأنسولين، ورعاية عدد من الشراكات لمشاريع إنسانية متعددة تصب في مصلحة المستفيدين. كما امتد التعاون إلى جهات إقليمية ودولية في تنفيذ مشاريع إنسانية وتنموية خارج المملكة في الدول التي عانت من الكوارث وويلات الحروب، ومن أبرزها اليونيدو، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، وصندوق تمكين القدس، ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حيث كان لها الدور الكبير في المساهمات التنموية، وفي تأسيس العديد من المشاريع في عدد من الدول.
كيف استفادت المؤسسة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تطوير خدماتها الإنسانية وإدارة الحالات؟
- أصبح التحول الرقمي جزءاً أساسياً من تطوير العمل المؤسسي، من خلال أتمتة الإجراءات وتطوير الأنظمة الإلكترونية وتحسين إدارة البيانات والخدمات. كما بدأت المؤسسة في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات تحليل البيانات وإعداد التقارير وتطوير المحتوى وتحسين العمليات، بما يدعم سرعة الإنجاز وجودة القرار. ويأتي ذلك ضمن توجه مستمر لتوفير خدمات أكثر كفاءة وسهولة للمستفيدين.
وشهدت المؤسسة تنفيذ عدد من المبادرات التقنية النوعية، شملت تطوير الأنظمة الإلكترونية، وتعزيز الربط الإلكتروني مع الجهات الحكومية، بما أسهم في رفع كفاءة الأداء، وتسريع إنجاز المعاملات، وتحسين تجربة المستفيدين. وأثمرت هذه الجهود عن إتاحة عدد من خدمات المؤسسة عبر البوابة الوطنية لمملكة البحرين (bahrain.bh)، بما مكّن المستفيدين من إنجاز معاملاتهم إلكترونيًا بسهولة، وأسهم في تبسيط الإجراءات وتطوير مستوى الخدمات المقدمة.
كما انضمت المؤسسة إلى النظام الوطني للمقترحات والشكاوى (تواصل)، لرفع مستوى الشفافية وجودة الخدمات، إلى جانب تطوير قواعد البيانات، وامتد التحول الرقمي ليشمل تطوير البنية التحتية التقنية، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية المعلومات، وتطبيق أفضل الممارسات في إدارة أمن المعلومات واستمرارية الأعمال، وهو ما تُوج بحصول المؤسسة على شهادة ISO/27001 لنظام إدارة أمن المعلومات، تأكيداً لالتزامها بحماية البيانات ورفع موثوقية أنظمتها الرقمية.
كيف تنظرون إلى دور القطاع الخاص في دعم العمل الإنساني؟ وهل هناك توجه لتوسيع برامج المسؤولية الاجتماعية بالشراكة مع الشركات؟
- القطاع الخاص شريك أساسي في العمل الإنساني، وقد أثبتت التجربة البحرينية أن تكامل جهود الحكومة والمؤسسات والشركات والمجتمع يمكن أن يصنع أثراً أكبر. ونتطلع إلى توسيع هذه الشراكات لتتجاوز الدعم التقليدي إلى المساهمة في مشاريع التمكين والتعليم والصحة والاستدامة، والاستفادة من خبرات القطاع الخاص وقدراته في الابتكار والتطوير. وبحمد الله تعالى هناك تفاعل كبير من مؤسسات المجتمع مع مبادرات المؤسسة، الأمر الذي يعكس ثقة المجتمع في مخرجات المبادرات الإنسانية التي تقوم عليها المؤسسة، والمنبثقة من الرؤية الملكية السامية لجلالة الملك المعظم، والتي انعكست على إستراتيجية إنسانية بعيدة المدى، قائمة على الاستثمار الأمثل في الإنسان. ونتطلع إلى أن تكون برامج المسؤولية الاجتماعية، هي شريك حقيقي مع المؤسسة في تنفيذ مبادراتها المختلفة.
كيف تشجع المؤسسة الشباب البحريني على التطوع والانخراط في العمل الإنساني؟
- نعمل على تعزيز ثقافة التطوع من خلال إشراك الشباب في المبادرات والبرامج والفعاليات الإنسانية، وإتاحة الفرصة لهم للمساهمة بمهاراتهم وأفكارهم، وليس فقط من خلال العمل التطوعي التقليدي. ونؤمن بأن الشباب شريك أساسي في استمرار الإرث الإنساني، ولذلك نحرص على أن يكون لهم دور فاعل في صناعة المبادرات وتنفيذها.
وفي إطار دعم العمل التطوعي وتوسيع المشاركة المجتمعية، صدر في فبراير 2026، وبمباركة من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، قرار سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، رئيس مجلس أمناء المؤسسة، بتعيين سمو الشيخة شيمة بنت ناصر آل خليفة رئيساً للمبادرات التطوعية الإنسانية بالمؤسسة تحت مسمى "شيم الخير"، بهدف تعزيز المبادرات الإنسانية والوطنية وترسيخ ثقافة التطوع، وتشجيع الشباب البحريني على الانخراط في العمل الإنساني.
ما أبرز الدروس التي خرجت بها المؤسسة من الاستجابة للأزمات الإنسانية خلال الأعوام الأخيرة؟
- أبرز درس هو أن سرعة الاستجابة تحتاج إلى جاهزية مؤسسية وشراكة مجتمعية واضحة، تلبي متطلبات الرؤية الملكية السامية من لدن صاحب الجلالة الملك المعظم، والدعم المستمر من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وقد أثبتت تجارب مثل جائحة كورونا والظروف الجوية الطارئة أن تكامل جهود الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمتطوعين يمكن أن يحول التحدي إلى نموذج وطني للتكاتف. إضافة إلى التوجيهات الملكية لدعم الأشقاء في مختلف الدول في أوقات الأزمات والحروب والكوارث، كما أكدت هذه التجارب أهمية المرونة وسرعة اتخاذ القرار وتوجيه الموارد إلى الاحتياج الفعلي، وهي تجربة تفخر بها المؤسسة من خلال خبرتها الإغاثية والميدانية داخل مملكة البحرين وخارجها، بما حققته من نتائج ملموسة في 18 دولة.
إلى أي مدى أصبح مفهوم التمكين الاقتصادي جزءاً أساسياً من فلسفة المؤسسة مقارنة بالمساعدات المباشرة؟
- أصبح التمكين الاقتصادي أحد المحاور الأساسية في عمل المؤسسة، لأن الهدف لا يقتصر على معالجة الاحتياج الحالي، وإنما مساعدة الإنسان على بناء قدرته على الاعتماد على ذاته. ويتجسد ذلك في دعم المشاريع والأسر المنتجة، والتدريب والتأهيل، وفتح قنوات التسويق، إلى جانب توفير فرص الاستعداد لسوق العمل، بما يجعل التمكين امتداداً طبيعياً للرعاية. وكما أسلفت، بأن مشروع مركز نتاج خير البحرين، هو مركز قائم على هذه الفلسفة، فضلاً عن توجهات المؤسسة للتوسع التنموي والاقتصادي.
ما الأولويات الإنسانية للمؤسسة خلال الأعوام الخمسة المقبلة؟
- بتوجيه ودعم مستمر من سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، رئيس مجلس أمناء المؤسسة، فإن المؤسسة تحرص بصورة كبيرة على رسم ملامح إنسانية واضحة للمستقبل قائمة على تطوير جودة الخدمات، وتعزيز التمكين والاستدامة، والاستثمار في الإنسان، وتوسيع الشراكات، والاستفادة من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مواصلة تطوير العمل الإنساني والإغاثي داخل المملكة وخارجها. والأهم أن تكون الأولويات مرتبطة بالاحتياجات المتغيرة للمستفيدين والمجتمع. والمؤسسة تقوم بصورة مستمرة على تطوير مبادراتها، وقياس أثر برامجها التنموية، ودراسة متطلبات المجتمع.
ما أكثر موقف إنساني أثر فيكم شخصياً منذ توليكم مسؤولياتكم في المؤسسة؟
- من الصعب أن أختزل هذه المسيرة في موقف واحد، لأن هناك مواقف كثيرة تترك أثراً عميقاً في الإنسان، ولكن من أكثر المواقف التي ما زالت حاضرة في ذاكرتي تلك المواقف التي رأيت فيها قائد العمل الإنساني يتقدم بنفسه إلى الميدان، ويحرص على أن تصل المساعدة إلى مستحقيها.
أتذكر الاتصال الذي بلغني وأنا في مهمة عمل في مقديشو الصومال ليتأكد من إمكانية عودتي إلى البحرين بيومين، لأحظى بشرف تكريم جلالة الملك المعظم والسلام عليه وحصولي على وسام الكفاءة للعمل الإنساني.
كما أتذكر بشكل خاص استقبال سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة للشحنة الإغاثية الموجهة إلى المتضررين من الفيضانات في باكستان، في منطقة كانت تعيش آثار كارثة طبيعية كبيرة. وهذا المعنى تكرر أمامي أيضاً عندما استقبلني سموه في مطار شرورة بالمملكة العربية السعودية أثناء إيصال الشحنة الثالثة من المساعدات الإغاثية إلى الأشقاء في اليمن. أن ترى قائداً للعمل الإنساني يستقبل الشحنة بنفسه، ويتابع وصولها إلى من يحتاج إليها، يجعلك تدرك أن العمل الإنساني ليس مجرد قرارات أو توجيهات، وإنما مسؤولية تُترجم إلى فعل وموقف.
أما الموقف المؤثر في هذا العام، فكان خلال زيارتي لمركز الحسين للسرطان في المملكة الأردنية الهاشمية، ولقائي بعدد من أطفال غزة الذين تعافوا من السرطان وأنهوا علاجهم، ويستعدون للعودة إلى أهلهم بصحة وعافية، كان الموقف مؤثراً جداً.
وكان هؤلاء الأطفال تلقوا علاجهم بموجب اتفاقية علاج مرضى السرطان والجرحى وتركيب الأطراف الصناعية للأشقاء في قطاع غزة، التي وقعتها المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية بالتعاون مع الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، لعلاج عدد من أطفال غزة المصابين بالسرطان، وكانت تلك المرحلة الأولى حيث أنهى 5 أطفال علاجهم، وستواصل المرحلة الثانية لعلاج 5 أطفال آخرين.
إذا طُلب منكم تلخيص مسيرة المؤسسة خلال 25 عاماً في ثلاثة إنجازات مفصلية، فما هي؟
- إذا أردت أن ألخص مسيرة المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية خلال خمسة وعشرين عاماً في ثلاثة إنجازات مفصلية، فسأختار ثلاثة مشاريع تمثل، في رأيي، ثلاث مراحل مهمة في تطور العمل الإنساني في المؤسسة: توفير السكن الآمن، والاستثمار في الإنسان، وبناء موارد مستدامة للعمل الإنساني.
أول هذه الإنجازات هو مشروع البيوت الآيلة للسقوط، الذي جاء بتوجيه ومكرمة ملكية من سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، ونُفذ بالتعاون مع وزارة شؤون البلديات ووزارة الإسكان. وقد مثّل المشروع في عام 2009 محطة مهمة جداً، لأنه تعامل مع احتياج أساسي يمس كرامة الإنسان وأمن أسرته، خصوصاً أن هذه المنازل كانت تشكل خطراً على قاطنيها. وتولت المؤسسة الإشراف على المشروع ومتابعة تنفيذه، وتم اعتماد بناء ألف وحدة سكنية ضمن المشروع، فيما تجاوز إجمالي ما تم بناؤه خلال فترة إشراف المؤسسة ألف منزل.
وهذا المشروع كان بالنسبة لي أكثر من مشروع إسكان؛ لأنه جسّد بصورة واضحة الرؤية الملكية في توفير الحياة الكريمة للمواطن، ونقل العمل الإنساني من تقديم المساعدة إلى معالجة أصل المشكلة وتوفير بيئة سكنية آمنة ومستقرة للأسرة.
أما الإنجاز الثاني، فهو مركز ناصر العلمي والتقني، الذي أعتبره نموذجاً واضحاً للاستثمار في الإنسان. فالمركز لم يُنشأ فقط لتقديم التعليم المهني، وإنما ليمنح الشباب مساراً آخر للنجاح والتأهيل والاندماج في سوق العمل، وتخريج كوادر وطنية تمتلك المهارات المهنية والتقنية التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.
وأهمية المركز اليوم أنه لم يتوقف عند التخصصات المهنية التقليدية، بل تطور مع احتياجات المستقبل؛ فدخل في مجالات التكنولوجيا والتخصصات النوعية، ووصل إلى إنشاء أكاديمية لعلوم الأمن السيبراني، إلى جانب تطوير البرامج والشهادات الدولية التخصصية، وصولاً إلى تدشين مختبر للأمن السيبراني بالتعاون مع المركز الوطني للأمن السيبراني. كما احتفل المركز بتخريج الفوج السابع من طلبته، وهو ما يعكس استمرارية هذا المشروع وتطوره منذ انطلاقه.
وأعتقد أن أجمل ما في هذا المشروع أنه يترجم مفهوماً مهماً جداً في العمل الإنساني: أن أفضل مساعدة يمكن أن تقدمها للإنسان هي أن تمنحه الأدوات التي تمكنه من بناء مستقبله بنفسه.
أما الإنجاز الثالث، فهو مشروع أبراج الخير الاستثمارية، لأنه يمثل انتقال المؤسسة إلى مرحلة أكثر تقدماً في مفهوم الاستدامة المالية للعمل الإنساني. فقد جاء المشروع بمكرمة ملكية سامية من جلالة الملك، من خلال تخصيص الأرض للمؤسسة، بهدف إقامة مشروع استثماري يكون ريعه لصالح العمل الخيري والإنساني.
وأهمية أبراج الخير لا تكمن في كونها مشروعاً عقارياً فقط، وإنما في الفكرة التي تقف وراءها؛ وهي تحويل الأصل الاستثماري إلى مورد مستدام يخدم الأرامل والأيتام والأسر المستفيدة من خدمات المؤسسة، ويسهم في تنويع مواردها المالية.
وهذه المشاريع الثلاثة، في تقديري، تختصر جانباً مهماً من مسيرة المؤسسة خلال خمسة وعشرين عاماً: بيت آمن يحفظ كرامة الإنسان، وتعليم وتأهيل يبني قدراته، واستثمار مستدام يضمن استمرار العطاء.