عبدالله الجنيد

لا يبدو التصعيد الإيراني تجاه قطر والكويت، قبل ثمانٍ وأربعين ساعة فقط من انقضاء أجل هدنة الستين يوماً، حدثاً منفصلاً أو مطالبةً إنسانية طارئة، بقدر ما تبدو مناورة «الساعة الأخيرة» والهادفة إلى تفادي الاستحقاقات السياسية والأمنية التي قد تنتُج عنها. فإثارة طهران لادعاء احتجاز أربعة طيارين إيرانيين لدى قطر، وأربعة جنود تقول إنهم دخلوا الأراضي الكويتية «عن طريق الخطأ»، لا تكتسب أهميتها من تفاصيلها المجردة فحسب، بل من وظيفتها التوقيتية.

انقضاء الهدنة ليس مجرد تاريخ على الروزنامة، بل نقطة انتقال تحمل في طياتها التزامات واستحقاقات لا تبدو طهران راغبة في مواجهتها وفق الصيغة القائمة. فالهدنة، متى انتهت من دون تعديل أو تمديد، تضع الأطراف أمام استحقاقات واضحة ومكلفة.

وطهران لا تعتزم الانخراط الجاد لإيجاد مخرج سياسي، أو قبول ترتيبات أمنية جديدة، أو تحمل تبعات العودة إلى التصعيد. ومن هنا، تصبح الحاجة الإيرانية إلى تعطيل «وضوح» تلك اللحظة الأكثر إلحاحاً؛ إذ إن الغموض، بالنسبة إليها، يتيح مساحة أوسع للمناورة خصوصًا بعد نجاحها في فرض تعدد قنوات التفاوض. وكذلك إعلان الرئيس ترامب لأكثر من 38 مرة عن التوصل إلى اتفاق مع طهران لتنقض الأخيرة ذلك.

وتقوم هذه الاستراتيجية على إغراق المشهد بملفات فرعية قابلة للتحول إلى أزمات مستقلة. فعندما تدخل قطر والكويت في دائرة ادعاءات الاحتجاز، لا يعود النقاش مقتصراً على مصير الهدنة أو التزامات ما بعدها، بل ينتقل إلى قضايا السيادة، والإجراءات القانونية، والاتصالات الدبلوماسية، والوساطات المحتملة. وبذلك، تُستبدل الأولوية الأصلية (استحقاق انقضاء المدة) بأولويات طارئة تفرض نفسها على الوسطاء والدول المعنية، وتمنح طهران وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب شروطها التفاوضية.

وتنسجم هذه المناورة مع إدراك إيراني متزايد لمحدودية ورقة مضيق هرمز بعد إغلاقه وتعطيل الملاحة فيه. فالتصعيد الشامل في المضيق رفع من الكلفة السياسية على إيران نفسها، ويستدعي استجابة دولية قد تتحول إلى ضغط عسكري واقتصادي أوسع. لذلك تبدو المقاربة الأكثر ترجيحاً هي الانتقال من التهديد الكلي إلى الضغط الانتقائي (استهداف ناقلات النفط والغاز الإماراتية) أو عبر اختلاق أزمة بيئية (فتح خزانات النفط في جزيرة كرج أعالي الخليج العربي). والإصرار على أن الملاحة في المضيق هو شأن سيادي بين إيران وسلطنة عُمان.

ولا يعني ذلك أن طهران تسعى بالضرورة إلى تفجير مواجهة شاملة؛ بل إنها قد تستخدم احتمالات التصعيد البحري بوصفه مظلة ردع تفاوضية. فالرسالة الأساسية هي أن انتهاء الهدنة لا يمكن أن يكون إجراءً تلقائياً يتجاهل حساباتها، وأن أي ترتيبات لاحقة لا تراعي مصالحها قد تواجه بيئة إقليمية أكثر اضطراباً.

وفي المحصلة، تتمثل مناورة إيران في تحويل نهاية الهدنة من استحقاق مُلزِم إلى أجل غير معلوم، وذلك تماما ما تبرع فيه طهران، أي تمييع قيمة الموقف السياسي. غير أن هذا التكتيك ينطوي على مجازفة كبرى، فكلما اتسعت دائرة الملفات المفتعلة أو المؤجلة، تقلصت فرص ضبطها، وقد يتحول السعي إلى تفادي الاستحقاق إلى سبب مباشر لاستحقاق أكبر.