كانت زيارة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى مدينة شباب 2030، أكثر من مجرد محطة بروتوكولية في سجل زيارات جلالته؛ كانت رسالة واضحة وبالغة الأهمية، تؤكد بأن شباب مملكة البحرين هم حجر الزاوية في المشهد الوطني، هم المتن والقلب النابض لهذا الوطن، وهم المورد الذي يحرك عجلة التنمية في شتى المجالات.لم تكن هذه الزيارة عابرة في تفاصيلها، فجلالته استمع إلى إيجاز شامل حول برامج المدينة في نسختها الخامسة عشرة، والتي أتاحت أكثر من عشرة آلاف فرصة تدريبية، بمشاركة تجاوزت 9635 شاباً وشابة، وبدعم من عشرات الشراكات المحلية والدولية، وجاءت الجولة الميدانية لتؤكد أن جلالته لا يكتفي بسماع الأرقام، بل يريد أن يرى بنفسه ما يصنعه هؤلاء الشباب في مختلف مراكز وأركان المدينة، وما يقدمونه من أعمال مبتكرة ومشاريع بناءة.
وقد لمست شخصياً، من خلال حديثي مع عدد من الشباب المشاركين في مدينة شباب 2030 بعد انتهاء الزيارة الكريمة، مستوى عالياً ومبهراً من السعادة والفخر. الكثيرون عبروا عن أن حضور جلالة الملك المعظم بينهم، واستماعه المباشر إلى أفكارهم ومشاريعهم وطموحاتهم، منحهم دفعة معنوية لا تقدر بثمن، لم يكن الأمر مجرد صورة تذكارية يحتفظون بها، بل شعوراً حقيقياً بأن كلمتهم مسموعة، وبأن جهدهم موضع تقدير واعتزاز، هذا الحضور المباشر بين شباب البحرين، وسط برامجهم وأعمالهم، له أثر نفسي وتحفيزي يفوق في مفعوله أي شيء آخر.
وقد لامست كلمات جلالته، حين قال لأبنائه وبناته: «مثلما خدم الأولون البحرين فأنتم تستكملون المسيرة»، وتراً حساساً لدى كل من سمعها من الحضور ولدى كل من نُقلت إليه لاحقاً عبر شتى المنصات، فهي ليست كلمات ثناء عابرة، بل هي تكليف وثقة سامية، وتأكيد بأن جهود جيل اليوم هي امتداد طبيعي لمسيرة البناء التي بدأها الآباء والأجداد. وحين عبّر جلالته عن اطمئنانه على مستقبل البحرين بعد معاينته لأعمال الشباب واستماعه لتطلعاتهم، فإنه في الحقيقة كان يمنحهم مسؤولية أكبر من مجرد الثناء؛ كان يقول لهم بكل وضوح، بأن مستقبل البحرين أمانة بين أيديهم.
وهنا تحديداً تكمن أهمية هذه اللحظة، فدور الشباب في البحرين لم يعد شأناً جانبياً أو ملفاً ثانوياً يدرج ضمن البرامج والخطط العابرة، بل أصبح محوراً مركزياً، وأصبحنا نرى أدوار الشباب في كل محفل وفي كل ميدان، بدءاً من صغار المسؤوليات، وصولاً إلى تولي المناصب التنفيذية الكبرى في القطاعين العام والخاص، فإذا كانت أكثر من نصف شرائح المجتمع البحريني تقع ضمن فئة من هم في سن 35 عاماً وأقل، فإن هذا وحده كافٍ لإعادة ترتيب الأولويات، فالشباب اليوم ليسوا فئة "مستهدفة” بالبرامج فحسب، بل هم القوة العاملة الفعلية، والطاقة المحركة، والفئة الأقدر على فهم احتياجات جيلها وتوجيه الجهود إليها بدقة وكفاءة.
من هنا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق الشباب وحدهم، بل تقع أيضاً على صناع القرار في القطاعين العام والخاص، فالرؤى والاستراتيجيات والخطط الطموحة، مهما بلغت جودتها على الورق، تبقى محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى ثقة حقيقية على أرض الواقع: مواقع قيادية تسند إلى كفاءات شابة، ومشاريع تدار من قبلهم لا بالنيابة عنهم، وقرارات تشركهم فيها لا تتخذ من فوقهم، فالشباب البحريني يمتلك الطاقة والحيوية ومهارات الريادة، ويمتلك أيضاً الرؤية الأقرب لواقع المجتمع واحتياجاته المستقبلية، وهذا مزيج نادر لا ينبغي لأي جهة أن تفرط فيه.
إن زيارة جلالة الملك المعظم أيده الله لمدينة شباب 2030 ليست حدثاً يطوى بانتهاء يومه، بل ينبغي أن تكون محطة تبنى عليها خطوات أكبر، تعكس ثقة القيادة الرشيدة بأبناء الوطن، وتترجم كلمات جلالته إلى واقع يعيشه كل شاب وشابة في كافة القطاعات. فحين يشعر الشاب البحريني بأن صوته مسموع، وأن دوره حقيقي ومقدر، فإن ذلك وحده كفيل بأن يصنع جيلاً قادراً على استكمال المسيرة التي أشار إليها جلالته، ومواصلة رحلة العطاء التي بدأها الأولون بثقة وإخلاص.