أحمد جعفر

منذ الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا، باتت ساحة المعركة أكبر مختبر مفتوح للحروب الحديثة؛ حيث حولت الجيوش حول العالم تركيزها إلى هناك لاستخلاص الدروس والعبر، واختبار آخر صيحات التكنولوجيا المتطورة والعقائد العسكرية المتغيرة بفعل تسارع تطور التقنيات.

ولاحقاً، ترسخت قناعة جديدة لدى صانعي السياسات العسكرية مفادها أن أسراب الطائرات بدون طيار الرخيصة والقاتلة في معظم الأحيان غيرت قواعد اللعبة، وأصبحت واحدة من أهم الدروس المستخلصة من ذلك الصراع.

لقد ظهر أسلوب جديد من الحرب الحديثة في أوكرانيا يمزج بين القتال التقليدي بالمدرعات والدبابات والمقاتلات الجوية، بالإضافة إلى المركبات غير المأهولة التي جرى تطوير أغلبها أثناء الصراع الممتد منذ فبراير لعام 2022.

في تقرير حديث لها، وصفت صحيفة «الغارديان» البريطانية كيف أصبحت القوات حتى على مسافات بعيدة خلف خطوط الجبهة مضطرة إلى تغيير مواقعها باستمرار لتجنب المسيّرات، فيما باتت أسلاك الألياف الضوئية تمتد عبر ساحات القتال لتوجيه طائرات «الرؤية من منظور الشخص الأول» بعيداً عن تأثير التشويش الإلكتروني.

وتدار الطائرات التي تعمل بهذه التقنية (First Person View)، بحيث يرتدي الطيار نظارات خاصة تنقل له بثاً مباشراً من كاميرا الطائرة لمسارها وكأنه يجلس بداخلها، مما يسمح له بتوجيهها بشكل أدق نحو الهدف المحدد.

وفي بعض خطوط الجبهة في أوكرانيا، أصبحت قدرة الطائرات بدون طيار التي ربما لا يتجاوز ثمن بعضها 500 دولار أمريكي، قادرة على الوصول لهدف من على بعد يصل إلى 14 كيلومتراً، مما غير من مفاهيم اقتصاديات الحروب، لا سيما وأن هذه المسيّرات يتطلب إسقاطها صواريخ اعتراضية يصل ثمن الواحد منها إلى ملايين الدولارات.

وبالتالي، فإن الطرف الذي ينجح في فرض حرب استنزاف بكمية كبيرة من هذه المسيّرات يستطيع إجبار خصمه على إنفاق مبالغ ضخمة لإسقاط أسلحة رخيصة لكنها فعّالة.

ومن هنا، استخلصت الجيوش درساً مهماً يشير إلى أن هذه التقنيات الجديدة في ساحة القتال أصبحت فعّالة لدرجة أنها بدأت في استخدام المركبات غير المأهولة في البر والبحر أيضًا بجانب الطائرات المسيرة في الجو.

وهنا، انتقل التطور من مسيّرات جوية انتحارية تطلق في اتجاه واحد لضرب العدو إلى مركبات برية غير مأهولة لديها القدرة على نقل الذخيرة والطعام ومواد التحصين إلى الخطوط الأمامية، بل وحتى استُخدمت تلك المركبات التي تُدار عن بعدُ، في سحب الجرحى من مناطق يصعب على الجنود دخولها، مما قلل من الخسائر البشرية.

في تقرير لها نشر خلال شهر أبريل الماضي، ذكرت «الغارديان» أن الروبوتات الأرضية أصبحت تمثل 90 بالمئة من العمليات اللوجستية للجيش الأوكراني خلال قتاله مع الجيش الروسي شرقي البلاد.

ويمكن لبعض هذه المركبات البرية المسيّرة عن بُعد إجلاء ما يصل إلى ثلاثة جرحى، والعمل لنحو ثماني ساعات دون توقف، وزرع الألغام أو إزالتها من مواقع العمليات، ومد الأسلاك الشائكة واستعادة المركبات المتضررة.

علاوة على ذلك، فإن أوكرانيا تحولت خلال سنوات الحرب إلى مركز لتطوير هذه الأنظمة غير المأهولة من خلال تصميم المركبات والآليات، ثم تجربتها في ساحة المعركة قبل أن تعود أي ملحوظات مرصودة على الجبهة إلى المصانع لإجراء التحسينات المطلوبة، مما جعل أوكرانيا تطور منظومة جديدة للابتكار العسكري.

ولهذا، فإن الدرس الأوكراني الذي تراقبه جيوش العالم بدقة فائقة لا يتعلق بالمسيّرات أو المنظومات غير المأهولة وحدها، إنما بسرعة التكيف في تطويرها التي تستغرق في العادة سنوات طويلة.

وحتى الولايات المتحدة صاحبة أضخم ميزانية عسكرية في العالم ورائدة استخدام الطائرات من دون طيار منذ عقود، لم تكن بعيدة عن هذا الدرس.

وهنا، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» قبل أيام أن مشغلي المسيّرات الأوكرانيين المشاركين في مناورات «العزم المشترك» (Combined Resolve)، وهو تمرين عسكري دوري نصف سنوي لجيش الولايات المتحدة في أوروبا وأفريقيا يقام في ألمانيا، تمكنوا من كشف تشكيلات أمريكية مدرعة وضربها افتراضياً بسرعة، إلى درجة أن بعض الوحدات أعيد إدخالها إلى التمرين عمداً لاستمرار هذا السيناريو.

وذكرت الصحيفة أن القوات الأمريكية بدأت تتحسن لاحقاً أمام مشغلي المسيرات الأوكرانيين عندما غيرت أساليب الانتشار والتمويه واستخدام الحرب الإلكترونية.

وهذا يشير بوضوح إلى أن أهم خلاصة هي أن السلاح التقليدي لم ينتهِ، لكن الطريقة التقليدية لاستخدامه هي التي أصبحت موضع شك.

ومن المهم التأكيد على أن الجيوش لا يمكنها الاستغناء عن المقاتلات الشبحية والمدفعية البرية والسفن والصواريخ التي ستبقى ضرورية لأي حرب، إلا أنها ربما تستخدمها بشكل مختلف في الحروب المستقبلية.

وأمام كل هذه التطورات، أدرك الأوروبيون بعد أكبر صراع تعيشه القارة منذ الحرب العالمية الثانية، أن مفاهيم المعارك تغيرت؛ بدليل أن بريطانيا خلال العام الماضي، منحت المركبات غير المأهولة والحرب الرقمية جزءاً رئيسياً في استراتيجيتها الدفاعية. وفي الوقت ذاته، يمضي الاتحاد الأوروبي في خطة إعادة التسليح التي أطلقها في مارس لعام 2025، وهي التي تستهدف تعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو لتعزيز القدرات الدفاعية للقارة العجوز بحلول العام 2030، حيث تركزت هذه المبادرة على الأنظمة غير المأهولة بشكل أساسي، بما يشمل أيضاً الدفاع ضد الطائرات بدون طيار عبر مشروع الدرع الأوروبي.

بصريح العبارة، هذا الشيء يعني أن جزءاً متزايداً من القوة القتالية المستقبلية سيكون غير مأهول وقابلاً للاستهلاك بأعداد كبيرة دون خسائر بشرية كبيرة تؤثر على الدول سياسياً، بحيث تصمم كل مركبة عسكرية على مفهوم أنها مجرد وسيلة للاستهلاك واستنزاف الخصم. ومن أوروبا إلى الشرق الأوسط التي يعيش مرحلة حرب مع إيران، وهي قوة أقل من متوسطة تركز على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة رخيصة الثمن، يمكن فهم إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) البدء في إنشاء أول قوة مهام هجومية متعددة الجنسيات والمجالات مخصصة للمسيّرات، تحت اسم «فالكون سترايك» (Falcon Strike).

ووفقاً للإعلان الرسمي الصادر في أغسطس الجاري، فإن التحالف سيستخدم أنظمة هجومية أحادية الاتجاه جواً وبحراً، بمشاركة الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، على أن تتوسع مع انضمام دول جديدة لتصبح منظومة ردع متعددة الجنسيات والمجالات في المنطقة. ويأتي هذه المشروع استكمالاً لتجربة جديدة أيضاً هي «سكوربيون سترايك» (Scorpion Strike)، وهو أول سرب أمريكي مخصص للمسيّرات الهجومية أحادية الاتجاه في الشرق الأوسط، والذي تقول «سنتكوم» إنه استخدم أنظمة غير مأهولة خلال العمليات ضد إيران، بما في ذلك هجمات على موانئ إيرانية. وهنا يصبح الإعلان أكثر أهمية من مجرد تشكيل تحالف عسكري جديد؛ فالولايات المتحدة التي اعتادت في حروبها الاعتماد على طائرات شبحية تكلف الواحدة منها مئات الملايين من الدولارات، وصواريخ دقيقة باهظة الثمن، بدأت تستثمر بالتوازي مع ذلك، في منظومات يمكنها شن عمليات بأعداد كبيرة من المركبات غير المأهولة والرخيصة نسبياً ويمكن استخدامها لمرة واحدة.

وتتميز المسيّرات في الجو والبحر والبر بقدرتها على أن تؤدي وظيفة مختلفة عن الأسلحة التقليدية، من إغراق الدفاعات واستنزافها وكشف مواقعها، إلى استهداف الرادارات والمنصات والقطع البحرية، وفرض ضغط مستمر بكلفة أقل، وكل ذلك يأتي دون أن يعرض الإنسان للخطر.

ولهذا يمكن قراءة مشروع «فالكون سترايك» باعتباره أحد أهم الدروس المباشرة التي حملتها حرب أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: الانتقال من الاعتماد شبه الكامل على عدد محدود من الوسائل القتالية فائقة التطور وعالية الكلفة، إلى مزيج يجمع بينها وبين أعداد ضخمة من الأنظمة الأرخص والقابلة للاستهلاك والتعويض السريع.

إن المواجهة المقبلة مع إيران لن تكون مجرد صراع تقليدي بين مقاتلات شبحية وأنظمة دفاع جوية كما عرفناها خلال الحرب الأخيرة، بل ستكون على الأرجح مواجهة - إن حدثت - تعتمد بشكل كبير على الأنظمة غير المأهولة والرخيصة من خلال الجو والبحر، في وقت يجلس فيه المقاتلون خلف الشاشات على مسافات بعيدة من الأهداف النهائية.

لقد تغيرت قواعد اللعبة و«فالكون سترايك» يبدو أنه تحالفاً يعطي أولى الإشارات إلى أن الشرق الأوسط بدأ يستعد للعب وفق القواعد الجديدة للحروب