المشكلة في هذه العبارة أنها تجعل ما اعتدنا عليه يبدو وكأنه الخيار الأفضل لمجرد أننا اعتدنا عليه، بينما الحقيقة أن الحياة تتغير، والاحتياجات تختلف، والتكنولوجيا تتطور، ولذلك فإن ما كان مناسباً بالأمس قد لا يكون هو الخيار الأنسب لليوم، وما نراه مناسباً اليوم يجب أن نعيد التفكير فيه إذا أردنا أن يكون مناسباً للغد.
فلننظر إلى المشاريع الإسكانية على سبيل المثال، حيث ظهرت خدمات وحلول مستحدثة أسهمت في تقليص فترات الانتظار والبرامج التي تعكس تحولاً في طريقة التعامل مع الاحتياجات الإسكانية، وأحدثت انتقالاً من نمط واحد إلى خيارات أكثر تنوعًا ومرونة، والأمر ذاته ينطبق على البنية التحتية، فالمدن التي كانت طرقها وشوارعها مناسبة في الماضي، أصبحت اليوم تشهد عمليات تطوير من طرق وجسور وأنفاق وشبكات خدمات أكثر تطوراً، وما نشهده حالياً من مشاريع في هذا المجال ليس ترفاً، وإنما استجابة واقعية لاحتياجات المجتمع واستشراف لما يحتاجه المستقبل.
حتى الخدمات الحكومية دخلت مرحلة مختلفة تماماً، فبعد أن كانت المعاملات تتطلب زيارة الجهات الحكومية ذات العلاقة، وما يصاحب ذلك من انتظار وتقديم للأوراق وتكرار المراجعات لاستكمال النواقص، أصبحت اليوم العديد من الخدمات متاحة إلكترونياً، ويمكن إنجازها في أي وقت ومن أي مكان، وهذا التحول لا يحدث من تلقاء نفسه، وإنما يقف وراءه تخطيط ورؤية وإرادة حقيقية للتطوير.
والتعليم لم يكن بعيداً عن هذه التحولات، فالتخصصات الجامعية التي كانت مطلوبة في أزمان ماضية تراجعت الحاجة إلى بعضها، بينما ظهرت تخصصات جديدة لم تكن موجودة أصلًا، كالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وعلوم البيانات، والتكنولوجيا المالية، والطاقة المتجددة، وغيرها من المجالات التي أصبحت جزءاً أساسياً من سوق العمل الحديث.
المشكلة فينا نحن أحياناً وفي استخدام تجاربنا الشخصية للحكم على المستقبل، وكأن نجاح تجربة في الماضي يعني أنها ستنجح بالضرورة في الحاضر والمستقبل، لكن الزمن لا يعمل بهذه الطريقة فما كان مناسباً لاقتصاد تقليدي قد لا يكون مناسباً لاقتصاد رقمي، وما كان مطلوباً في سوق العمل قبل ثلاثين عاماً قد لا يكون هو نفسه ما يحتاجه خريجو الجامعات اليوم، ولهذا فإن التطوير الحقيقي لا يبدأ بالمشروع، وإنما يبدأ بالعقل الذي يتقبل فكرة التطوير.
وهنا لا يمكن الحديث عن مسيرة التطوير في مملكة البحرين دون التوقف عند النهج الحكيم الذي أرسته قيادة حضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم، والذي جعل من التطوير والتحديث واستشراف المستقبل مساراً مستمراً، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هوية البحرين وثوابتها وإرثها الحضاري.
كما أن هذه الرؤية تجد ترجمتها العملية في الجهود التي يقودها صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، من خلال رؤية مستقبلية تقوم على تطوير الأداء الحكومي، ورفع كفاءة الخدمات، ودعم التنمية، والاستثمار في الإنسان، والاستعداد لمتطلبات المستقبل بدل انتظارها.
وهذه هي فلسفة التطوير التي نحتاجها جميعاً، أن ندرك أن التغيير ليس ترفاً، وأن التطوير ليس مجرد استبدال شيء بآخر، وإنما هو القدرة على قراءة المستقبل والاستعداد له.
فالبحرين التي يقودها جلالة الملك المعظم بحكمة ورؤية، ويمضي بها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بعزم نحو المستقبل، لا يمكن أن تتوقف عند ما اعتدنا عليه، وإنما تستحق أن نكون جميعاً شركاء في صناعة ما لم نعتد عليه بعد.