سماهر سيف اليزل


في التاسع عشر من أغسطس من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي للعمل الإنساني، مناسبة تستحضر قيمة الإنسان في مواجهة الأزمات والكوارث والنزاعات، وتكرّم العاملين والمتطوعين الذين يواصلون أداء واجبهم في أصعب الظروف، دفاعاً عن الحق في الحياة والكرامة والحماية.

وتأتي المناسبة هذا العام في ظل اتساع الاحتياجات الإنسانية عالمياً، وتصاعد المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإنساني، لتعيد التأكيد على أن العمل الإنساني لم يعد يقتصر على إيصال الغذاء والدواء إلى المتضررين، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل الحماية والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية، والدعم النفسي، والاستجابة للكوارث، وبناء قدرات المتطوعين، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.

وفي خضم هذا المشهد العالمي، تقدم مملكة البحرين نموذجاً متكاملاً للعمل الإنساني، يجمع بين المؤسسات الوطنية المتخصصة، وفي مقدمتها المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، وجمعية الهلال الأحمر البحريني، إلى جانب الجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني والجهات الحكومية والمتطوعين، بما يجعل العطاء جزءاً أصيلاً من النسيج المجتمعي البحريني.

ولا تتوقف هذه المنظومة عند حدود تقديم المساعدة العاجلة، وإنما تمتد إلى تمكين الإنسان وتحسين جودة حياته، ورعاية الأيتام والأرامل، ودعم الأسر المحتاجة، وتوفير العلاج والتعليم، وتأهيل المستفيدين اقتصادياً، إلى جانب الإغاثة الخارجية والاستجابة للكوارث والأزمات، وبناء كوادر قادرة على التدخل عند الحاجة.

"المؤسسة الملكية".. حصاد إنساني يتجاوز 10 آلاف مستفيد

تكشف أحدث البيانات السنوية للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية عن اتساع نطاق برامج الرعاية والتمكين التي تقدمها، حيث وثق التقرير السنوي للمؤسسة للعام 2025 رعاية وكفالة 10,857 من الأيتام والأرامل خلال العام، فيما بلغ إجمالي عدد المكفولين منذ تأسيس المؤسسة 31,794 مستفيد.

وتعكس هذه الأرقام استمرارية منظومة الرعاية التي لا تقتصر على المساعدة المالية، وإنما تشمل جوانب معيشية وتعليمية وصحية واجتماعية وأسرية، في إطار توجه يقوم على الاستثمار في الإنسان وتمكينه وتحسين جودة حياته.

وخلال عام 2025، استفاد 4,480 شخص من المساعدات الإنسانية التي تقدمها المؤسسة، وشملت مساعدات معيشية وعلاجية وزواجاً ومساعدات للغارمين ومساعدات دراسية، بما يعكس تنوع الاحتياجات التي تتعامل معها المؤسسة وتعدد أشكال الدعم المقدمة للمستفيدين.

كما وفرت المؤسسة 2,458 حقيبة مدرسية للأيتام، ودعمت 76 طالباً وطالبة ضمن برامج البعثات والمنح الدراسية، فيما استفاد 490 شخصاً من برامج الإرشاد الأسري، إلى جانب تنفيذ 180 برنامجاً وفعالية متنوعة استفاد منها 6,878 شخص خلال العام.

ولا ينفصل الجانب الإنساني عن الرعاية الصحية، إذ شهد عام 2025 توفير 86 مضخة أنسولين للأطفال وإجراء 16 عملية زراعة قوقعة إلكترونية، إلى جانب خدمات علاجية أخرى.

وتتوسع فلسفة المؤسسة كذلك من الرعاية إلى التمكين الاقتصادي، من خلال مركز «نتاج خير البحرين»، الذي واصل خلال 2025 دعم الأسر المنتجة، حيث تم إنتاج 2,765 منتج وتنفيذ 25 برنامجاً تدريبياً استفادت منها 397 مستفيدة، فضلاً عن إعداد أكثر من 20,450 وجبة إفطار صائم خلال شهر رمضان بإشراف 17 منتسبة من المركز.

وتكشف هذه النتائج عن تحول واضح في مفهوم العمل الإنساني، من تقديم الدعم المباشر إلى بناء قدرة المستفيد على الاعتماد على نفسه، من خلال التعليم والتدريب والتأهيل والإنتاج، وهي فلسفة تتسق مع توجه المؤسسة نحو التمكين المستدام.

13 دولة.. و42 مبادرة إنسانية وتنموية خارج البحرين

ولم يقتصر الحضور الإنساني للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية على إرسال المساعدات الإغاثية، وإنما امتد إلى إنشاء مشاريع تنموية طويلة الأثر في عدد من الدول، حيث نفذت المؤسسة 42 مبادرة إنسانية وتنموية في 13 دولة، شملت مدارس ومجمعات تعليمية ومستشفيات ومراكز صحية ومراكز تدريب مهني ومشاريع للمياه والإسكان.

وتعكس هذه المشاريع انتقال العمل الإنساني من الاستجابة الطارئة إلى بناء مقومات الحياة والتنمية المستدامة، من خلال إقامة منشآت يستفيد منها السكان على المدى الطويل، وتوفير خدمات أساسية في التعليم والصحة والمياه والتأهيل المهني.

ومن بين أبرز المشاريع التعليمية التي نفذتها المؤسسة خارج المملكة مدرسة مملكة البحرين في قطاع غزة، ومجمع مملكة البحرين العلمي في مخيم الزعتري بالأردن، الذي يضم أربع مدارس وروضة أطفال، إلى جانب مدارس أخرى في الأردن ومصر وكازاخستان، ومشاريع تعليمية أزهرية في مصر.

وفي الجانب الصحي، شملت المشاريع الخارجية مستشفى مملكة البحرين التخصصي في الصومال، إلى جانب مراكز صحية ومشاريع علاجية، فيما امتدت المبادرات إلى توفير المياه من خلال حفر الآبار وتنفيذ مشاريع لتنقية المياه في المناطق التي تعاني من شح الموارد.

كما شملت المشاريع الخارجية إنشاء مراكز للتدريب المهني، بما يتيح للأفراد اكتساب مهارات تساعدهم على دخول سوق العمل وتحسين ظروفهم الاقتصادية، في نموذج يعكس مفهوم التمكين بدلاً من الاكتفاء بالمساعدة المباشرة.

وبذلك، أصبح الحضور الإنساني البحريني خارج المملكة قائماً على مجموعة من المشاريع التي تجمع بين الإغاثة والتنمية والتعليم والصحة والمياه والتأهيل، بما يعزز أثر المساعدات ويحولها إلى مشاريع مستدامة تخدم المجتمعات المستفيدة لسنوات.

ربع قرن من العطاء.. ومسيرة إنسانية متواصلة

وفي عام 2026، احتفت المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية بمرور 25 عاماً على تأسيسها، في محطة عكست مسيرة طويلة من العمل الإنساني المؤسسي في البحرين، وتزامنت مع إطلاق عدد من المبادرات الإنسانية الجديدة.

وخلال الاحتفال، أُعلن عن مبادرات لعام 2026 شملت «بيوت مطمئنة»، و«بلسم وأمل»، ومبادرة «الأثر الاجتماعي المستدام»، التي تتضمن تأسيس مركز تعليمي وتأهيلي متخصص للأطفال ذوي اضطراب التوحد وصعوبات التعلم.

وشهدت المناسبة كذلك فتح باب المساهمة في دعم المبادرات الإنسانية، بما يعكس حجم الشراكة المجتمعية مع المؤسسة ودور الأفراد والقطاع الخاص في دعم المشاريع الإنسانية والتنموية.

كما يمتد عمل المؤسسة إلى المجال الإغاثي خارج المملكة، حيث شهد عام 2025 إرسال مساعدات إنسانية إلى مناطق متضررة، من بينها قطاع غزة، بما يؤكد أن العمل الإنساني البحريني لا يتوقف عند الحدود الجغرافية للمملكة، وإنما يتحرك وفق الحاجة الإنسانية ويستجيب للأزمات والكوارث.

الهلال الأحمر.. 450 أسرة شهرياً وآلاف الأسر موسمياً

ويمثل الهلال الأحمر البحريني ركناً أساسياً في منظومة العمل الإنساني بالمملكة، من خلال منظومة تجمع بين الرعاية الاجتماعية والإغاثة والمساعدات الخارجية والتوعية الصحية والإسعافات الأولية والشباب والتطوع وإعادة الروابط العائلية.

وتوضح الجمعية عبر موقعها الرسمي أنها تقدم مساعدات شهرية لنحو 450 أسرة في البحرين، فيما تستفيد نحو 6 آلاف أسرة موسمياً من الأنشطة والبرامج التي تنفذها الجمعية، بما يعكس امتداد دورها من المساعدة الدورية إلى المبادرات الموسمية التي تستهدف شريحة أوسع من المجتمع.

ولا تقتصر المساعدات الاجتماعية على تقديم الدعم المالي، إذ تعمل الجمعية على دراسة حالات الأسر المحتاجة وتحديد احتياجاتها، إلى جانب السعي إلى تحسين المستوى المعيشي للمستفيدين من خلال التوظيف وبرامج التأهيل الاجتماعي، في توجه يتجاوز مفهوم المساعدة الآنية نحو تحسين نوعية الحياة.

كما تشمل خدمات الجمعية المساعدات العينية الموسمية، إلى جانب برامج التوعية الصحية والإسعافات الأولية وخدمات الشباب والناشئة والمساعدات الخارجية، وهو ما يجعلها من المؤسسات التي تجمع بين الاستجابة للاحتياجات المحلية والاستعداد للعمل الإغاثي خارج المملكة.

900 متطوع.. تجربة بحرينية في مواجهة "كورونا"

وأظهرت تجربة البحرين خلال جائحة كورونا قدرة العمل التطوعي المنظم على التحول إلى قوة مساندة للجهود الوطنية في الأزمات.

وفي هذا السياق، قام الهلال الأحمر البحريني بتدريب أكثر من 900 متطوع بحريني خلال الجائحة، بالتعاون والتنسيق مع الدفاع المدني بوزارة الداخلية وجمعية الكلمة الطيبة، عبر برنامج تدريبي استمر أكثر من ثمانية أسابيع.

وشمل التدريب الإسعافات الأولية، وإجراءات الوقاية من فيروس كورونا، ومكافحة العدوى والتعقيم والتطهير، والتعامل مع معدات الوقاية الشخصية، إلى جانب الإسعافات النفسية الأولية وأخلاقيات العمل التطوعي.

كما خصصت الجمعية 15 متطوعاً للعمل في الخطوط الأمامية بمطار البحرين الدولي خلال الجائحة، للمساعدة في توجيه المسافرين بشأن فحوصات كورونا وتقديم الدعم اللوجستي للكوادر الطبية والصحية.

وتكشف هذه التجربة عن أهمية بناء قدرات المتطوعين قبل وقوع الأزمات، بحيث يكون المتطوع قادراً على الانتقال سريعاً من دوره المجتمعي المعتاد إلى العمل ضمن منظومة استجابة منظمة عند الحاجة.

الإسعافات الأولية.. مهارة تنقذ حياة

ويولي الهلال الأحمر البحريني الإسعافات الأولية اهتماماً كبيراً، باعتبارها إحدى أهم أدوات التدخل المبكر في الحوادث والكوارث.

وتنظم الجمعية دورات وبرامج تدريبية متخصصة للمتطوعين، تشمل التعامل مع الحالات الطارئة، والتدخل السريع، وفرز المصابين، وتقديم الإسعافات الأساسية، إلى جانب التوعية المجتمعية بأهمية امتلاك هذه المهارات.

وفي 2024، نظمت الجمعية دورة متخصصة في الإسعافات الأولية وفرز المصابين لمتطوعيها، بالتعاون بين لجنة الإسعافات الأولية وفريق إدارة الكوارث والأزمات، بهدف رفع جاهزيتهم للتعامل مع الحالات الطارئة خلال الأزمات. كما أطلقت برنامج «المسعف الصغير» لتعريف الفئة العمرية من 12 إلى 17 عاماً بالمفاهيم والمهارات الأساسية للإسعافات الأولية.

وفي سبتمبر 2025، احتفلت الجمعية باليوم العالمي للإسعافات الأولية من خلال فعالية توعوية ركزت على الإسعافات الأولية والتغير المناخي، في إطار نشر المهارات الصحية الأساسية بين أفراد المجتمع.

ولا تتوقف أهمية هذه البرامج عند التدريب النظري، إذ إن امتلاك أفراد المجتمع لمهارات الإسعاف الأولي يمكن أن يحدث فارقاً حاسماً خلال الدقائق الأولى التي تسبق وصول الفرق الطبية المتخصصة.

الصحة النفسية.. جانب لا يقل أهمية عن الغذاء والدواء

ومع تطور مفهوم الاستجابة الإنسانية، لم تعد احتياجات المتضررين تقاس بالغذاء والماء والدواء والمأوى فقط، وإنما أصبحت الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي جزءاً أساسياً من الاستجابة للكوارث والحروب والنزوح والفقد.

وفي هذا المجال، نظم الهلال الأحمر البحريني بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سبتمبر 2025 ورشة متقدمة حول الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في حالات الطوارئ، استفاد منها أكثر من 18 متدرباً من متطوعي الجمعية، إلى جانب مختصين من مستشفى الطب النفسي ومستشفى سيرين.

وتناولت الورشة تأثيرات الطوارئ على الأفراد والمجتمعات، وكيفية التعامل مع التوتر والصدمة والفقدان والحزن، وإدارة الضغط النفسي، والتدخل مع الأطفال، وتقييم الحالات وتوجيهها بالشكل الصحيح.

ويأتي ذلك امتداداً لبرامج سابقة للجمعية في مجال الدعم النفسي والاجتماعي، بما يعزز قدرة المتطوعين على التعامل مع المتضررين بصورة شاملة، ومراعاة الجانب النفسي إلى جانب الاحتياجات المادية.

إعادة الروابط العائلية.. إنسانية تتجاوز المساعدات

ومن المجالات الإنسانية التي قد لا تحظى بالقدر نفسه من الضوء، لكنها تمثل جانباً بالغ الأهمية في مناطق النزاعات والكوارث، إعادة الروابط العائلية.

فالحروب والكوارث والنزوح قد تؤدي إلى انفصال أفراد الأسرة الواحدة، وقد تستمر حالة البحث عن المفقودين سنوات طويلة، ولذلك يعمل الهلال الأحمر البحريني بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر على البحث عن الأشخاص، وتبادل الرسائل العائلية، ولم شمل الأسر، والمساعدة في الكشف عن مصير المفقودين.

وتستهدف هذه الخدمات الأسر المتضررة من الحروب والكوارث والنزاعات المسلحة، إضافة إلى أسر المفقودين واللاجئين والمهاجرين، بما يجعل العمل الإنساني هنا مرتبطاً بإعادة الإنسان إلى أسرته، وليس فقط بتوفير الاحتياجات المعيشية.

وفي سبتمبر 2025، شاركت الجمعية في ورشة متقدمة حول خدمات إعادة الروابط العائلية، إلى جانب ورشة أخرى حول التعامل مع الجثث أثناء الكوارث، بالتعاون مع هيئة الهلال الأحمر السعودي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بهدف رفع كفاءة الكوادر في هذه المجالات الحساسة وحماية كرامة الأسر والمتوفين.

البحرين.. حضور إنساني في غزة والسودان وسوريا

وعلى المستوى الخارجي، أكدت جمعية الهلال الأحمر البحريني استمرار مساهماتها في الجهود الإنسانية الدولية، مشيرة إلى وصول كوادرها التطوعية إلى مراحل متقدمة في تقديم الإسهامات والخدمات الإنسانية في غزة والسودان وسوريا والمناطق المنكوبة.

وتأتي هذه المساهمات في إطار استجابة الجمعية للنداءات الدولية الصادرة عن منظمات الإغاثة، وتعاونها مع الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، بما يتيح توجيه المساعدات والخبرات إلى المناطق التي تواجه أزمات إنسانية حادة.

ومن الأمثلة البارزة على التعاون الأهلي البحريني في إغاثة غزة، إعلان أربع جهات أهلية بحرينية، من بينها الهلال الأحمر البحريني والمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، عن إرسال 1000 كرسي متحرك لمتضرري الحرب في قطاع غزة، بما يعكس التكامل بين المؤسسات الإنسانية والجمعيات الأهلية في الاستجابة للاحتياجات المتخصصة.

كما يمتد التعاون الإنساني إلى دعم التعليم في المناطق المتضررة من الحروب والكوارث، حيث سبق للجمعية أن أكدت توجهها لدعم مشاريع تعليم الأطفال المحرومين من التعليم نتيجة الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية، إلى جانب توفير الحقائب والمستلزمات المدرسية للأطفال اللاجئين.

القانون الدولي الإنساني.. حماية قبل الإغاثة

ولا يقتصر عمل الهلال الأحمر على تقديم المساعدات، بل يمتد إلى تعزيز المعرفة بالقانون الدولي الإنساني، باعتباره الإطار الذي يحمي المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والطبي أثناء النزاعات.

وفي سبتمبر 2025، شاركت الجمعية في ورشة بعنوان «القانون الدولي الإنساني في ظل تحديات الاستجابة الإنسانية» نظمتها هيئة الهلال الأحمر السعودي بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بما يعزز قدرات الكوادر البحرينية في فهم القواعد القانونية المرتبطة بالعمل الإغاثي. كما شاركت الجمعية في اجتماع الهيئة العامة للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر في الرياض، في إطار تعزيز التنسيق العربي الإنساني.

ويأتي ذلك متسقاً مع مبادئ الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، التي تقوم على الإنسانية وعدم التحيز والحياد والاستقلال والخدمة التطوعية والوحدة والعالمية، وهي مبادئ تؤكد أن المساعدة الإنسانية يجب أن تصل إلى المحتاجين دون تمييز.

من التدريب إلى التخصص في العمل الإنساني

ولم تتوقف جهود الجمعية عند الدورات القصيرة، بل عملت على تطوير مسارات متخصصة في العمل الإنساني، ومن بينها إطلاق برنامج شهادة التخصص في العمل الإنساني، الذي يستهدف إعداد كوادر تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للاستجابة لمتطلبات العمل الإغاثي وفق المعايير الدولية.

ويشمل البرنامج التدريب في مجالات من بينها القانون الدولي الإنساني، بما يعكس توجه الجمعية نحو بناء كوادر متخصصة، وليس مجرد متطوعين يؤدون أدواراً وقتية.

كما استمرت الجمعية في تطوير مهارات منتسبيها في المجالات الصحية، ففي يوليو 2025 عقدت لجنة التوعية الصحية ورشة متخصصة للمتطوعين في المهارات الصحية الأساسية، بهدف تمكينهم من تقديم الدعم في حالات الطوارئ ورفع مستوى الوعي الصحي.

الجمعيات الخيرية.. ذراع مجتمعية للعمل الإنساني

ولا تكتمل منظومة العمل الإنساني في مملكة البحرين من دون الدور الذي تضطلع به الجمعيات والمؤسسات الأهلية، التي تشكل رافداً أساسياً للتكافل المجتمعي، وتقدم مساعدات مالية وعينية وغذائية وتعليمية وصحية واجتماعية للأسر والأفراد، إلى جانب المبادرات الموسمية وحملات الإغاثة والتطوع.

وتعمل هذه الجمعيات تحت إشراف وتنظيم وزارة التنمية الاجتماعية، وتمتد أنشطتها إلى مختلف مناطق المملكة، بما يتيح لها الوصول المباشر إلى الأسر والأفراد والتعامل مع احتياجاتهم، سواء من خلال المساعدات الدورية أو الطارئة، أو برامج كفالة الأيتام، ودعم الطلبة والمرضى، والمساعدات الغذائية والموسمية، إلى جانب المبادرات المجتمعية والتطوعية.

ويبرز دور الجمعيات الخيرية بصورة أكبر خلال المواسم التي تتزايد فيها الاحتياجات، وفي مقدمتها شهر رمضان، حيث تنشط برامج السلال الغذائية ومساعدات الأسر ووجبات إفطار الصائم، فضلاً عن المبادرات التعليمية والصحية والاجتماعية التي تستمر على مدار العام.

كما تمثل الجمعيات شريكاً مهماً في الاستجابة للحالات الإنسانية الطارئة، من خلال سرعة الوصول إلى المستفيدين وتحريك التبرعات والمساعدات العينية، إلى جانب تنظيم الحملات المجتمعية التي تستهدف المرضى والأسر المتعففة والطلبة وغيرهم من الفئات المحتاجة.

ويشكل هذا القطاع الأهلي امتداداً مهماً للمنظومة الإنسانية في البحرين، إذ يجمع بين الدعم المؤسسي والمبادرة المجتمعية، ويعزز ثقافة التكافل والتطوع، ويمنح العمل الإنساني بعداً مجتمعياً قريباً من احتياجات الناس اليومية.

التطوع.. ثقافة وطنية في خدمة الإنسان

وتشكل ثقافة التطوع القاسم المشترك بين مختلف مكونات العمل الإنساني في البحرين، من المؤسسة الملكية إلى الهلال الأحمر والجمعيات الخيرية.

فالمتطوع هو العنصر الذي يحول المبادرة إلى فعل على الأرض، ويسهم في توزيع المساعدات وتنظيم الفعاليات ودعم كبار السن والأطفال والأسر المحتاجة، كما يمكن أن يتحول في حالات الكوارث إلى عنصر أساسي في عمليات الإخلاء والإسعاف والتوعية والدعم اللوجستي والنفسي.

وتؤكد تجربة الهلال الأحمر أن الاستثمار في المتطوع لا يقل أهمية عن توفير المساعدات نفسها؛ فكل متطوع مدرب يمثل قدرة إضافية للمجتمع على الاستجابة، وكل مهارة مكتسبة في الإسعافات الأولية أو الدعم النفسي أو إدارة الكوارث يمكن أن تكون حاسمة في لحظة أزمة.

القانون الدولي الإنساني.. حماية للمدنيين والعاملين في الميدان

ومن أبرز أوجه العمل الإنساني البحريني الاهتمام بالجانب القانوني المرتبط بحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والطبي أثناء النزاعات.

وفي هذا السياق، أنشأت مملكة البحرين اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني عام 2014، لتتولى عدداً من الاختصاصات المتعلقة بتنفيذ وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، ووضع السياسات والخطط ذات الصلة، ومراجعة التشريعات وتعزيز التعاون وتبادل الخبرات.

وتكتسب هذه المنظومة أهمية خاصة في ظل تزايد المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإنساني في مناطق النزاعات، إذ لا يمكن أن تؤدي المساعدات دورها إذا لم تتوافر الحماية للمدنيين والعاملين في الإغاثة والمرافق الصحية.

ومن هنا، يتكامل العمل الإغاثي مع العمل القانوني، فالمساعدة الإنسانية لا تعني فقط توفير الغذاء والدواء والمأوى، وإنما تعني كذلك ضمان وصول هذه المساعدات بأمان، وحماية من يقدمونها، واحترام كرامة الأشخاص المتضررين.

«حماية بعضنا بعضاً».. الرسالة التي تتجاوز المساعدات

يأتي اليوم الدولي للعمل الإنساني في 19 أغسطس من كل عام ليؤكد أن حماية الإنسان هي جوهر كل جهد إنساني، وأن العاملين والمتطوعين الذين يذهبون إلى مناطق الأزمات ليسوا جزءاً من الصراع، بل جزء من الحل.

ويعود اختيار هذا التاريخ إلى الهجوم الذي استهدف مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد في 19 أغسطس 2003، وأسفر عن مقتل 22 شخصاً من العاملين في المجال الإنساني، بينهم الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق سيرجيو فييرا دي ميلو.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبح اليوم مناسبة عالمية لتسليط الضوء على العاملين في المجال الإنساني والتحديات والمخاطر التي يواجهونها، والتأكيد على ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

وفي البحرين، تتجسد هذه الرسالة في منظومة تبدأ من رعاية الإنسان داخل المملكة، ولا تنتهي عند الحدود.

فالمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية ترعى الأيتام والأرامل، وتقدم المساعدات الإنسانية والعلاجية والتعليمية، وتعمل على التمكين الاقتصادي والاجتماعي، بينما يواصل الهلال الأحمر البحريني أداء دوره في الإغاثة والتطوع والتدريب والاستجابة للطوارئ، وتعمل الجمعيات الخيرية على الوصول إلى الأسر والأفراد في مختلف مناطق المملكة وتقديم المساعدات التي يحتاجون إليها.

ومن 450 أسرة تحصل على مساعدات شهرية و6 آلاف أسرة تستفيد موسمياً من برامج الهلال الأحمر، إلى تدريب أكثر من 900 متطوع خلال جائحة كورونا، ومن برامج الإسعافات الأولية والدعم النفسي إلى إعادة الروابط العائلية، ومن المساعدات المحلية إلى المشاركة في إغاثة غزة والسودان وسوريا، تتشكل صورة أوسع للعمل الإنساني البحريني.

وهكذا، يصبح العمل الإنساني البحريني منظومة متكاملة تبدأ من الفرد والأسرة، وتمتد إلى المجتمع، ثم إلى المحيط الإقليمي والدولي، وتجمع بين العطاء المباشر والتمكين والتطوع والتدريب والإغاثة والحماية القانونية.

وفي اليوم الدولي للعمل الإنساني، لا تقاس قيمة العطاء فقط بحجم ما يقدم من مساعدات، وإنما بعدد الأرواح التي تحظى بحياة أفضل، وبالقدرة على حماية كرامة الإنسان في أصعب الظروف، وبمدى استعداد المجتمع لمساندة أفراده حين تشتد الأزمات.

إنها رسالة تختصرها عبارة واحدة: حين نحمي الإنسان، نحمي المجتمع.. وحين نحمي من يمدون يد العون، فإننا نحمي الأمل نفسه.