عندما تصبح القيم جزءاً طبيعياً من حياتنا اليومية، لا ندرك أنها استثنائية في عيون الآخرين، وهذا في تقديري ما نعيشه في البحرين، حيث لم نتعرف على قيم التسامح والتعايش من خلال شعارات أو مناسبات، بل نعيش تفاصيلها كل يوم في علاقة إنسانية جعلت الاختلاف جزءاً من طبيعة المجتمع وتميزه. وعندما قرأت خبر انطلاق الدورة الأولى من جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، لم أرَ فيها مجرد مبادرة جديدة تضاف إلى مبادرات البحرين الدولية، بقدر ما رأيت فيها انتقالاً لفكرة عاشت في هذا الوطن إلى فضاء أوسع، من تجربة بحرينية إلى رسالة للعالم. وهنا تحديداً تكمن، في رأيي، أهمية رؤية جلالة الملك المعظم، فجلالته لم ينظر إلى ما تتميز به البحرين من انفتاح وتعدد وتعايش باعتباره إرثاً نعتز به ونكتفي بالحديث عنه، وإنما عمل على تحويل هذه القيم إلى مشروع عابر للحدود، وإلى مبادرات تستطيع أن تصنع أثراً في عالم أصبح أحوج ما يكون إلى لغة تجمع الناس.

وهذا ما يجعل جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح مختلفة في معناها قبل قيمتها المادية، لأن القيمة الحقيقية، في تقديري، تكمن في الفكرة التي تقف خلفها بأن مَن يعمل من أجل الناس، ومَن يبني جسور الثقة والحوار بينهم، ومن يحول التسامح إلى أثر حقيقي ومستدام، يستحق أن يحتفى به، وأن تصبح تجربته نموذجاً عالمياً.

والعالم اليوم بحاجة إلى هذه الرسالة أكثر من أي وقت مضى، حيث تتسع مساحات الصراع، وترتفع أصوات الكراهية والتعصب، ويصبح الاختلاف في بعض المجتمعات سببًا للخوف والانقسام، لتأتي البحرين وتقول من واقع تجربتها إن الاختلاف لا يعني الصدام، وإن تعدد الأديان والثقافات يمكن أن يكون مصدراً لثراء المجتمع وتماسكه.

ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها لا تقدم البحرين باعتبارها دولة تتحدث عن التسامح فحسب، وإنما وطن عاش هذه القيمة، ويريد مشاركة تجربته مع العالم، وهذه إحدى السمات المهمة للمشروع الحضاري لجلالة الملك؛ الانتقال بالقيم من دائرة المبادئ إلى مساحة الفعل، ومن خطاب محلي إلى مبادرات عالمية قادرة على التأثير. لذلك، فإن فتح الجائزة أبوابها للأفراد والمؤسسات من مختلف دول العالم يحمل دلالة تتجاوز حدود المنافسة والتكريم، فالبحرين تفتح نافذة لاكتشاف التجارب الإنسانية التي ربما تعمل بصمت في أماكن مختلفة من العالم؛ أشخاص ومؤسسات اختاروا أن يقفوا في مواجهة الكراهية، وأن يبنوا بدل أن يهدموا، وأن يقربوا بين البشر بدل أن يوسعوا المسافات بينهم.

وفي ذلك رسالة بحرينية للعالم؛ التسامح ليس ضعفاً، والتعايش ليس مجرد قبول بالآخر، بل قوة تبني المجتمعات وتحميها، وقيمة إنسانية يمكن أن تتحول إلى مشروع عالمي يبدأ من البحرين ويصل أثره إلى كل مكان.