طورت الكائنات الدقيقة أنواعاً من البلاستيك القابل للتحلل قبل وقت طويل من بدء البشر في تصنيعه، حيث تنتج العديد من البكتيريا والعتائق بشكل طبيعي مركبات تُعرف باسم بولي هيدروكسي ألكانوات PHA، والتي تخزنها داخل خلاياها كمخزون من الكربون والطاقة.

أنواع من البلاستيك الطبيعي

وبحسب ما جاء في تقرير نشره موقع Science Daily نقلاً عن دورية Nature Ecology & Evolution، لطالما افترض العلماء أن الكائنات الدقيقة وحدها هي القادرة على تحليل هذه الأنواع من البلاستيك الطبيعي. إلا أن بحثاً جديداً من معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء الدقيقة البحرية في ألمانيا، يُشكك في هذه الفكرة.

مسار غير مسبوق

اكتشف الباحثون أن مجموعة واسعة من الحيوانات، بما يشمل الديدان البحرية ونجم البحر وديدان الأرض وأنواع برية أخرى، تمتلك إنزيمات قادرة على تحليل بولي هيدروكسي ألكانوات الميكروبية. يشير هذا الاكتشاف إلى مسار غير معروف سابقاً يمكن من خلاله للكربون المخزن بواسطة الميكروبات أن ينتقل إلى السلاسل الغذائية الحيوانية.

دودة بحرية عديمة الأمعاء

بدأ البحث بدودة بحرية غير عادية تُدعىOlavius algarvensis. على عكس معظم الحيوانات، لا تمتلك هذه الدودة فماً أو أمعاءً. وبدلاً من ذلك، تعتمد على بكتيريا تكافلية تعيش تحت جلدها، تهضمها كمصدر للتغذية.

تقول نيكول دوبيلييه، مديرة معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء الدقيقة البحرية والباحثة الرئيسية في الدراسة: "يخزن أحد أنواع البكتيريا التكافلية التي تعيش مع الدودة كميات هائلة من الكربون على شكل بولي هيدروكسي ألكانوات PHA".

إنزيم وبكتيريا تكافلية

حدد الباحثون إنزيماً في الدودة قادراً على تكسير جزيئات PHA الميكروبية إلى جزيئات أصغر تستطيع الحيوانات استخدامها. كما كشف التصوير عالي الدقة أن هذا الإنزيم يُنتج في نفس المكان الذي تهضم فيه الدودة شركائها من البكتيريا. تشير هذه النتيجة إلى أن الدودة تستطيع الاستفادة من مخزون PHA المخزن داخل بكتيرياها التكافلية.

ولم يتوقف هذا الاكتشاف عند دودة بحرية واحدة. عندما فحص الفريق الجينومات الحيوانية على نطاق أوسع، وجدوا إنزيمات متشابهة في أكثر من 66 نوعاً تنتمي إلى تسع شعب مختلفة. وأظهرت الاختبارات المعملية أن إنزيمات من حيوانات متباعدة الصلة، بما يشمل الإسفنج ودودة الأرض وذيل الربيع، قادرة أيضاً على تحليل البولي هيدروكسي ألكانواتPHA الميكروبية.

تقول الباحثة الأولى في الدراسة، كارولين زايدلر، من معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء الدقيقة البحرية: "كانت هذه هي المفاجأة الحقيقية. ما بدأ كاكتشاف في دودة بحرية واحدة، تبين أنه قدرة واسعة الانتشار تشترك فيها حيوانات من فروع مختلفة تماماً من شجرة الحياة".

مخزون للطاقة والكربون

تُستخدم البولي هيدروكسي ألكانوات (PHAs) كمخزون للطاقة والكربون لدى الكائنات الحية الدقيقة، كما تُستخدم أيضاً في تصنيع البلاستيك القابل للتحلل الحيوي. في الإنتاج الصناعي، تُزرع البكتيريا داخل خزانات تخمير كبيرة وتُغذى بمواد غنية بالكربون مثل السكريات والنشا والزيوت النباتية. في ظل الظروف المناسبة، تُراكم البكتيريا كميات كبيرة من البولي هيدروكسي ألكانوات PHA. يمكن بعد ذلك استخلاص هذه المركبات وتحويلها إلى مواد شبيهة بالبلاستيك.

بولي هيدروكسي ألكانوات

تتميز المواد البلاستيكية المصنوعة من البولي هيدروكسي ألكانوات PHA بإمكانية تشكيلها ومقاومتها الجيدة للماء وثباتها الكافي لاستخدامات يومية متنوعة. تُستخدم هذه المواد في منتجات مثل تغليف المواد الغذائية ومواد النظافة الشخصية. في الزراعة، يمكن تغليف الأسمدة داخل حبيبات PHA التي تُطلق محتوياتها تدريجياً مع تحلل البلاستيك. تشمل التطبيقات الطبية ضمادات الجروح وأنظمة توصيل الأدوية والغرسات أو الخيوط الجراحية القابلة للامتصاص التي تتحلل ببطء داخل الجسم.

تدوير بيولوجي

تتميز البولي هيدروكسي ألكانوات بشكل خاص بخاصية التدوير البيولوجي، فهي تُصنع بواسطة الكائنات الدقيقة، ويمكن أيضاً تحللها من خلال العمليات البيولوجية. ولكنها لا تمثل حالياً سوى نسبة ضئيلة من سوق البلاستيك الحيوي. يمكن أن يتغير هذا الوضع مع ازدياد الطلب على المواد القابلة للتحلل الحيوي والمصنوعة من مواد حيوية، ومن المتوقع أن تنمو الطاقة الإنتاجية العالمية للبلاستيك الحيوي بشكل كبير في السنوات القادمة.

تضيف النتائج الجديدة بُعداً آخر لهذه الصورة، حيث تُظهر أن العديد من الحيوانات المائية والبرية تحمل أيضاً إنزيمات قادرة على تحليل البولي هيدروكسي ألكانوات.

انتشار واسع في البيئة

توجد البوليمرات الهيدروكسية الذائبة الميكروبية بشكل طبيعي في التربة والرواسب والبيئات المائية حول العالم. تنتجها الكائنات الدقيقة عندما يتوفر لديها فائض من الكربون يفوق حاجتها الفورية، فتخزن هذا الفائض لاستخدامه لاحقاً. وتُعد البوليمرات الهيدروكسية الذائبة من بين أنواع البلاستيك الطبيعية القليلة القابلة للتحلل الحيوي الكامل.

وازداد الاهتمام بالبوليمرات الهيدروكسية الذائبة نظراً لتزايد تصنيعها كبدائل مستدامة للبلاستيك التقليدي. ونتيجة لذلك، يُولي العلماء اهتماماً أكبر لكيفية تحلل هذه المواد في البيئات الطبيعية.

وتشير نتائج دراسة دوبيلير وزملائها إلى أن الحيوانات يمكن أن تُساهم في تحلل البلاستيك الحيوي الطبيعي جنباً إلى جنب مع الكائنات الدقيقة. والأهم من ذلك، تُظهر النتائج أن الحيوانات تستطيع الوصول إلى مخزون الكربون الميكروبي الذي كان العلماء يعتقدون سابقاً أنه غير متاح لها.

تغيير مفهوم شائع

تقول ماغي سوغين، الباحثة المشاركة في الدراسة، والتي أنجزت جزءاً كبيراً من العمل في معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء الدقيقة البحرية، وتشغل حالياً منصب أستاذة مساعدة في جامعة كاليفورنيا: "لا يزال فهم من يستطيع استخدام مخازن الكربون الميكروبية هذه غير واضح. من المحتمل أن الحيوانات تتغذى على البلاستيك الحيوي الطبيعي الأصلي منذ مئات الملايين من السنين، وإنه يتم اكتشاف ذلك الآن فقط".

مسار جديد في دورة الكربون

لا يزال العلماء يجهلون مدى شيوع هذه العملية في النظم البيئية الطبيعية، أو مدى مساهمتها في دورة الكربون العالمية، ولكن يقدم هذا الاكتشاف طريقة جديدة للتفكير في العلاقات بين الكائنات الدقيقة والحيوانات.

كما يوضح كيف يمكن للبحث في الكائنات غير المألوفة أن يكشف عن عمليات بيولوجية ظلت خفية رغم احتمال استمرارها لمئات الملايين من السنين.