تشهد منطقة الخليج العربي ظروفاً اقتصادية وجيوسياسية متغيرة وتحديات مختلفة، وهذا يضع الشركات أمام اختبار حقيقي: من سيصمد ومن سينهار أمام هذه الظروف؟ الجواب، من زاوية محاسبية، لا يرتبط بالضرورة بحجم الشركة أو حصتها السوقية، بقدر ما يرتبط بمدى مرونتها المالية. وهذه المرونة لا تبنى في أوقات الأزمات، بل هي حصيلة قرارات مالية اتخذت في أوقات الاستقرار، حين كانت الظروف هادئة ولم يكن أحد يفكر بالأزمة.

من زاوية محاسبية، فإن القوائم المالية، إذا قرأناها بعناية، تكشف لنا مسبقاً عن مدى استعداد الشركات لمواجهة الأزمات. ومن أهم المؤشرات التي ينظر لها فهي السيولة. فالشركة التي احتفظت بهامش نقدي كافٍ، وحافظت على التوازن بين التدفقات النقدية الواردة والصادرة، تجد نفسها اليوم أقدر على مواجهة أي تباطؤ مفاجئ في السوق أو الاقتصاد بشكل عام.

إلى جانب السيولة، فإن هيكل التمويل يعد عاملاً آخر لا يقل أهمية عن السيولة. الاقتراض بكثافة يعطي نمواً سريعاً في الأوقات المستقرة، لكنه يتحول إلى عبء حقيقي بمجرد أن تتغير الظروف، خصوصاً عندما تنخفض الإيرادات في نفس الوقت الذي ترتفع فيه كلفة التمويل. فتبرز من هنا أهمية التوازن والاستعداد لأكثر من سيناريو، لا لأفضل سيناريو فقط.

إن تجربة جائحة كوفيد-19 مازالت حاضرة في الذهن، والدرس منها كان واضحاً: إذ استطاعت الشركات التي كان لديها مصادر دخل وأنشطة متنوعة الصمود والاستمرار، بينما تعثرت تلك التي اعتمدت على أنشطة محدودة، حيث وجدت نفسها بلا خيارات عندما توقفت تلك الأنشطة فجأة.

تخطئ بعض الإدارات عندما تنظر للمحاسبة على أنها مجرد أداة لتسجيل الأرقام، وهذا تصور ناقص. ففهم القوائم المالية وتحليل ما تشمله من مؤشرات لنسب السيولة ومستويات المديونية قد يعطي للإدارة إنذاراً مبكراً يسمح لها بالتحرك قبل الأزمة لا بعدها، وهنا يكمن الفرق بين إدارة تستبق الأزمة، وتستعد لها وأخرى تكتفي برد فعل الأزمة.

وفي بيئةٍ اقتصادية مثل بيئة دول الخليج العربي، حيث تؤثر عوامل خارجية كثيرة لا تملك الشركة سيطرة عليها، يصبح بناء سياسات مالية مرنة واستباقية ضرورة استراتيجية. هذا يوجب على الشركات إعادة النظر في سياساتها في إدارة المخاطر، وفي حجم الاحتياطيات التي تحتفظ بها، لا كإجراء شكلي بل كخط دفاع فعلي.

إن الأزمات، رغم صعوبتها، قد تشكل فرصاً لإعادة تقييم القرارات وتصحيحها، إن لزم. إن الشركات التي اتخذت قرارات مالية متوازنة في أوقات الاستقرار، هي غالباً من تخرج من الأزمة أكثر قوة واستدامة. ختاماً، فإن المحاسبة ليست مجرد سجل لما حدث في الماضي، بل أداة لقراءة الواقع والاستعداد لما هو قادم.

* دكتوراة في المحاسبة