أمل محمد أمين

ليست حياة البيئة قضية تخص العلماء والخبراء وحدهم، وليست موضوعاً نتحدث عنه في المناسبات ثم ننساه. إنها سلوك يومي يبدأ من البيت، ويكبر مع الطفل في المدرسة، ويتحول مع الشباب إلى أسلوب حياة. وإذا أردنا مستقبلاً أكثر أماناً، فعلينا أن نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن مواردنا ليست بلا نهاية، وأن الحفاظ عليها مسؤولية الجميع.

الطفل الذي يتعلم أن يغلق صنبور المياه أثناء تنظيف أسنانه، وأن يطفئ المصباح عندما يغادر الغرفة، وأن يستخدم ما يحتاج إليه من الطعام دون إسراف، يتعلم في الحقيقة درساً أكبر من مجرد توفير الماء والكهرباء. إنه يتعلم معنى المسؤولية.

وهنا يأتي دور الأسرة. فالأطفال يتعلمون بالقدوة أكثر مما يتعلمون بالكلام. من الصعب أن نطلب من طفل ألا يهدر الماء، بينما يرى والده يترك الصنبور مفتوحاً. ومن الصعب أن نقنعه بأهمية ترشيد الكهرباء إذا كانت الأجهزة تعمل بلا حاجة طوال اليوم. لذلك، فإن أفضل درس يمكن أن نقدمه لأبنائنا هو أن نمارس نحن أولاً ما نطلب منهم فعله.

أما المدرسة، فلها دور لا يقل أهمية. يمكن تحويل الحفاظ على البيئة من معلومات في كتاب إلى أنشطة بسيطة وممتعة. يمكن للطلاب زراعة الأشجار، وفرز المخلفات، وإعادة استخدام بعض الأدوات بدلاً من التخلص منها، وتنظيم حملات صغيرة للنظافة وترشيد استهلاك المياه والكهرباء. عندما يشارك الطفل بيده، يصبح ما يتعلمه جزءاً من سلوكه، وليس مجرد معلومة للحفظ في امتحان.

وللشباب دور أساسي أيضاً؛ فهم الأكثر قدرة على نشر الأفكار الجديدة بين أصدقائهم وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. يمكن أن تتحول فكرة بسيطة مثل تقليل استخدام البلاستيك، أو استخدام وسائل النقل بصورة أكثر كفاءة، أو شراء ما نحتاج إليه فقط، إلى سلوك جماعي إذا تبناها عدد كبير من الشباب.

ومن المهم كذلك ألا نقدم مفهوم ترشيد الاستهلاك للأطفال والشباب باعتباره حرماناً. الحفاظ على الموارد لا يعني أن نتوقف عن الاستمتاع بالحياة، وإنما يعني أن نستخدم الأشياء بحكمة. فالفرق كبير بين أن نستخدم ما نحتاج إليه، وبين أن نستهلك لمجرد الاستهلاك.

نحن لا نحتاج إلى جيل يحفظ عشرات الشعارات عن البيئة، بل إلى جيل يفهم أن كل قطرة ماء لها قيمة، وكل وحدة طاقة لها ثمن، وكل شجرة تستحق الحماية، وأن النفايات التي نلقيها اليوم قد تصبح مشكلة لأبنائنا غداً.

ومن العادات الهامة التي يجب أن يتعلمها الطفل والشاب أن ليس كل ما نستطيع شراءه نحتاج إليه. يمكن أن نسأل الطفل قبل شراء لعبة جديدة: «هل تحتاجها فعلاً؟ هل لديك لعبة أخرى تؤدي الغرض نفسه؟ وهل يمكن أن نعطي لعبة قديمة لطفل آخر بدلاً من تركها بلا استخدام؟».

ومع الشباب يمكن توسيع الفكرة إلى الملابس والأجهزة الإلكترونية والطعام. فالاستهلاك المسؤول لا يعني أن نحرم أنفسنا، وإنما أن نفكر قبل أن نشتري: هل أحتاج هذا الشيء؟ هل سيُستخدم فعلاً؟ وهل يمكن إصلاحه أو إعادة استخدامه بدل استبداله سريعاً؟

لن تنجح كل هذه الأنشطة إذا كان الطفل يرى عكسها في المنزل. فالطفل الذي يرى أسرته توفر الطعام، وتغلق الصنبور، وتطفئ الأجهزة غير المستخدمة، وتحافظ على الأشياء، سيتعلم الاستدامة دون أن يشعر أنه يتلقى درساً.

نحن لا نريد أن نربي أطفالاً يحفظون تعريف الاستدامة، بل أطفالاً يمارسونها دون أن يفكروا كثيراً. نريد أن يصبح إطفاء المصباح، وإغلاق صنبور المياه، وإعادة استخدام الأشياء، والحفاظ على الطعام، وزراعة النباتات، والتفكير قبل الشراء، جزءاً طبيعياً من حياتهم.

ولهذا تبدأ حماية البيئة من عادات صغيرة جداً: مفتاح كهرباء نطفئه، وصنبور نغلقه، وقطعة طعام لا نهدرها، وشيء نعيد استخدامه بدلاً من رميه. وإذا نجحنا في تحويل هذه العادات إلى ثقافة لدى أطفالنا وشبابنا، فنحن لا نحافظ على مواردنا فقط، بل نبني مواطناً أكثر وعياً ومسؤولية، ونترك للأجيال القادمة فرصة أفضل لحياة كريمة في بيئة أكثر نظافة وأماناً.

فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بعادات صغيرة تتكرر كل يوم. وإذا نجحنا في تحويل هذه العادات إلى ثقافة لدى أطفالنا وشبابنا، فإننا لا نحافظ على الماء والطاقة والموارد فقط، بل نمنح أبناءنا شيئاً أهم: إحساساً بأنهم قادرون على تغيير العالم من حولهم، ولو بدأ التغيير من مفتاح كهرباء أو صنبور ماء أو قطعة ورق.