لا يعتبر مضيق هرمز مجرد شريط مائي يفصل بين ضفتي الخليج العربي وخليج عمان. إنه شريان من شرايين الاقتصاد العالمي، وممر تمر عبره الطاقة والغذاء والسلع، ولذلك فإن أي توقف في حركة الملاحة فيه لا يبقى أثره محصوراً في مياه الخليج العربي، بل سرعان ما يصل تأثيره إلى الأسواق وموائد الناس في جميع أنحاء العالم.

نعم.. فالقضية تتجاوز حسابات النفط وأسعار الشحن والتجارة. ففي كل ناقلة وسفينة تجارية هناك بحارة مدنيون أبرياء، وأسر تعتمد على دخلهم، وشعوب تحتاج إلى ما تحمله هذه السفن من الغذاء والطاقة والدواء. ولهذا أصبحت حرية الملاحة في مضيق هرمز قضية لها بعد حقوقي وإنساني واضح.

لقد كانت الأمم المتحدة صريحة في هذا الشأن. فقد أكد مجلس الأمن، في القرار 2817 لعام 2026، ضرورة احترام حقوق وحريات الملاحة في مضيق هرمز، في إطار قواعد القانون الدولي. كما جاء القرار في سياق إدانة الهجمات والتهديدات التي طالت عدة دول في المنطقة، والتأكيد على ضرورة عدم تحويل الممرات البحرية الدولية إلى أدوات للصراع والضغط السياسي.

والأكثر دلالة أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش «ربط بصورة مباشرة بين حرية الملاحة والأمن الإنساني». ففي كلمته أمام مجلس الأمن في أبريل 2026، وصف المرور الآمن وغير المعاق في مضيق هرمز بأنه «ضرورة اقتصادية وإنسانية»، مشيراً إلى أن «اضطراب الملاحة أدى إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، وأثر في إمدادات الغذاء وسلاسل التوريد». كما أشار إلى «بقاء أكثر من 20 ألف بحار عالقين في البحر»، مؤكداً أن «هؤلاء المدنيين ليسوا أطرافاً في النزاع، وأن سلامتهم وحقوقهم يجب أن تحظى بالحماية».

وهنا تكمن جوهر المسألة: أنه عندما تغلق طريق التجارة، لا يعني أن تتوقف السفن فقط، بل يعني أن تتأخر شحنات الغذاء والدواء عن الناس، وربما يحرمون منها، كما يعني أن ترتفع أسعار السلع بحيث يعجز الناس عن الحصول عليها، ويمكننا القول أن إعاقة الملاحة يمكن أن يتحول تدريجياً إلى أزمة تمس حقوقاً أساسية للإنسان مثل: الحق في الغذاء والحق في الصحة والحق في الأمن.

نعم.. إن حماية مضيق هرمز ليست مسؤولية دولة واحدة، ولا ينبغي أن تكون ورقة تستخدمها الأطراف المتصارعة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب حقوق الإنسان لتطغى المصالح السياسية على القضايا الإنسانية. فالمطلوب هو احترام القانون الدولي، وحماية السفن التجارية وطاقمها، وضمان المرور الآمن وغير التمييزي، والابتعاد عن لغة التهديد والقوة.

إن العالم لا يحتاج إلى مضيق هرمز مفتوحاً من أجل استمرار تدفق النفط فحسب؛ بل يحتاجه مفتوحاً؛ لأن وراء كل سفينة بشراً، ووراء كل شحنة اقتصاداً، ووراء كل اضطراب في الملاحة حقوقاً قد تتعرض للخطر، لتجر سكان المنطقة الأبرياء لكوارث إنسانية، فحرية الملاحة ليست امتيازاً للسفن وحدها، بل هي جزء من حماية مبادئ حقوق الإنسان.. ودمتم سالمين.