في حياة الأوطان لحظات تختصر خطباً طويلة، وتقول بالصورة ما قد تعجز عنه الكلمات، وكان مشهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه وهو يقف بين أبنائه وبناته في مدينة شباب 2030، واحداً من تلك المشاهد التي لا تمرّ بوصفها زيارة عابرة؛ فقد بدا الوطن كأنه يطمئن بنفسه إلى الجيل الذي سيحمل رايته، ثم يقول له بثقة الأب وهيبة القائد: «أنتم المستقبل».
لم يكن الأهم في المشهد ما رآه جلالته من برامج، بل ما رآه وراءها: بحرينياً صغيراً لا ينتظر دوره، وإنما يتدرّب عليه، وحين قال جلالته: «مثلما خدم الأولون البحرين، فأنتم تستكملون المسيرة»، انتقل الحديث من معنى الرعاية إلى مقام المسؤولية؛ فالوطن هنا لا يُورَّث بوصفه امتيازاً، بل يُسلَّم بوصفه أمانة، ولا يُحفظ بالعاطفة وحدها.
ومن هنا تبدو مدينة شباب 2030 و«قدها جونيور» أكبر من برنامج تدريبي، إنها مختبر مبكر لعلاقة جديدة بين الوطن وأبنائه: الدولة تفتح الطريق، والمؤسسات تتكامل، والناشئة لا يتلقون المعرفة فحسب، بل يختبرون القرار والانضباط والعمل الجماعي والاعتماد على النفس، لقد كانت التربية قديماً تقول للصغير: تعلّم حتى تكبر؛ أما فلسفة البحرين اليوم فتقول له: تعلّم، وشارك منذ الآن.
والأرقام تعد دليلا على اتساع الرؤية، النسخة الخامسة عشرة قدّمت أكثر من 324 برنامجاً، وما يزيد على عشرة آلاف فرصة تدريبية، بمشاركة 9635 شاباً وشابة، ومن خلال 204 شراكات محلية ودولية، وفي «قدها جونيور» وحده سجّل ألفا ناشئ، وبدأت الدفعة الأولى بخمسمائة مشارك، وتلك ليست حشوداً عابرة، بل رأس مال وطنياً يتكوّن أمام العين.
وتزداد دلالة التجربة حين نضعها في سياق عالم يسابق الزمن للاستثمار في الإنسان؛ فالبنك الدولي يقدّر رأس المال البشري بنحو 64% من الثروة العالمية، فيما يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي تغيّر 39% من المهارات الأساسية المطلوبة للعمل بحلول عام 2030، لذلك فإن كل ساعة تدريب لطفل اليوم ليست كلفةً اجتماعية، بل وديعة في اقتصاد الغد، ولا تكسب الدول سباق المستقبل بعدد سكانها، بل بجودة أعدادهم.
غير أن صناعة المستقبل لا تكتمل بالمهارة وحدها؛ فالجيل الذي لا يعرف ما تحمّله وطنه قد لا يدرك قيمة ما تسلّمه، ولهذا حمل المتحف العسكري داخل «قدها جونيور» معنى أبعد من العرض؛ إذ حوّلت بقايا الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت المملكة الذاكرة الوطنية من رواية تُسمع إلى شاهد يُرى، وهناك يتعلم الناشئ أن الأمن ليس خبراً عابراً، وأن ما تحميه قوة دفاع البحرين هو المدرسة والبيت والحلم معاً.
انتهت الزيارة، لكن رسالتها لم تنتهِ؛ فحين يقول جلالة الملك المعظم لأبنائه وبناته: «أنتم المستقبل»، فهو لا يمنحهم الثقة فحسب، بل يضع بين أيديهم مسؤولية استكمال المسيرة، وهنا تتجلى قيمة مدينة شباب 2030 و«قدها جونيور»؛ فهما لا يملآن وقت الناشئة ببرامج صيفية، بل يملآن شخصياتهم بالمعرفة والانضباط والانتماء والقدرة على اتخاذ القرار، إنها البحرين وهي تُعد أبناءها قبل أن تستدعيهم المسؤولية، وتمنحهم أدوات البناء قبل أن تسلّمهم الراية؛ لأن الأوطان التي تؤمن بأجيالها لا تنتظر المستقبل حتى يأتي، بل تربيه وتدرّبه وتصنعه منذ الصغر.
* إعلامية وباحثة أكاديمية