ليست قيمة المؤسسات في عدد البرامج التي تطلقها، ولا في كثرة المناسبات التي تحتفي بها، بل في ذلك الأثر الهادئ الذي تتركه في حياة الناس، حتى يأتي يوم ننظر فيه إلى واقعنا فنكتشف أن شيئًا عميقًا قد تغيّر دون ضجيج.
ولعل هذه الفكرة هي المدخل الأصدق للحديث عن المجلس الأعلى للمرأة في مملكة البحرين، بقيادة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة جلالة الملك المعظم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة؛ فالمجلس، منذ تأسيسه عام 2001، لم يكن مجرد مؤسسة تعنى بشؤون المرأة، وإنما أصبح مرجعية وطنية تعمل على إدماج احتياجات المرأة وتطلعاتها في مسيرة التنمية وصناعة القرار.
والسؤال الذي يستحق التأمل هنا: متى تنجح قضية المرأة حقًا؟
هل عندما نتحدث عنها أكثر؟
أم عندما نصل إلى مرحلة لا نعود فيها مضطرين إلى الدفاع عن قدرتها في كل مرة، لأن حضورها ونجاحها أصبحا جزءًا طبيعيًا من صورة الوطن؟
ربما تكمن فلسفة النجاح في أن تنتقل المرأة من موقع «المطالِبة بالفرصة» إلى موقع «صانعة الفرصة»، ومن انتظار أن يُفتح لها الباب إلى أن تصبح هي نفسها ممن يصنعون الأبواب للآخرين.
وهنا تبدو خصوصية تجربة المجلس الأعلى للمرأة.
فالمشروع لم يُبنَ على فكرة المنافسة بين المرأة والرجل، ولا على خطاب يجعل الأسرة خصمًا لطموح المرأة، وإنما على معادلة أكثر عمقًا: أن استقرار الأسرة، وتقدم المرأة، ونهضة المجتمع، ليست طرقًا متعارضة، بل طرق تلتقي جميعها عند وطن أكثر قوة واستقرارًا.
وهذا في رأيي أحد أجمل أبعاد الرؤية التي قادتها صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة؛ فقد بقيت المرأة البحرينية في الخطاب الوطني شريكًا في البناء، لا طرفًا في صراع، وظلت الأسرة حاضرة في قلب معادلة التنمية، لا على هامشها.
ولهذا لم يعد غريبًا أن نرى البحرينية اليوم في ميادين كانت قبل عقود بعيدة عن الصورة التقليدية للمرأة؛ في القيادة، والتعليم، والاقتصاد، والقانون، والعلوم، والتكنولوجيا، والفضاء، والمحافل الدولية. وفي عام 2025، احتفى المجلس مثلًا بوصول بحرينيات إلى مواقع دولية متقدمة في قطاع الفضاء، من بينها تعيين الشيخة حصة بنت علي آل خليفة نائبًا ثانيًا لرئيس لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية، وتعيين المهندسة عائشة الحرم في موقع قيادي دولي ضمن قطاع الفضاء والأقمار الصناعية.
لكن الإنجاز الأكبر لا يكمن في منصب هنا أو جائزة هناك. الإنجاز الحقيقي أن تكبر طفلة بحرينية اليوم وهي لا ترى أحلامها غريبة.
أن تقول: أريد أن أصبح عالمة، أو قاضية، أو مهندسة، أو رائدة أعمال، أو دبلوماسية، فلا يسألها أحد بدهشة: وهل تستطيع المرأة ذلك؟
ذلك التحول في الوعي ربما يكون أعظم من أي رقم يمكن أن تسجله التقارير.
فالإنسان لا يبدأ بالصعود حين يصل إلى المنصب، بل يبدأ حين يؤمن منذ طفولته أن الوصول ممكن.
ومن هنا نفهم أن تمكين المرأة ليس امتيازًا يُمنح لها، بل استثمار في المجتمع كله؛ لأن المرأة حين تتعلم لا تتعلم وحدها، وحين تنجح لا تنجح وحدها، وحين تستقر اقتصاديًا واجتماعيًا يمتد أثر ذلك إلى أسرتها وأبنائها والمجتمع الذي تنتمي إليه.
وقد أكدت صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة في أكثر من مناسبة هذا المعنى حين وصفت المرأة البحرينية بأنها شريك مؤهل وجدير في بناء الحاضر ورسم المستقبل، وهو تصور يضع المرأة داخل المشروع الوطني لا على هامشه.
وربما لهذا فإن أجمل ما يمكن أن يقال عن المجلس الأعلى للمرأة بعد أكثر من عقدين من العمل ليس أنه «دافع عن المرأة» فحسب، وإنما أنه أسهم في تغيير السؤال نفسه.
فبعد أن كان السؤال يومًا:
هل تستطيع المرأة أن تصل؟
أصبح السؤال اليوم:
إلى أي مدى أبعد تستطيع أن تصل؟
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين مؤسسة تعالج واقعًا، ومؤسسة تصنع ثقافة.
لقد استطاعت صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، بهدوء القيادة وبعد النظر، أن تجعل قضية المرأة أقرب إلى مفهوم البناء الوطني الشامل؛ فلا امرأة بلا أسرة، ولا أسرة مستقرة بلا امرأة قوية ومصانة الحقوق، ولا وطن قادر على المنافسة إذا ترك نصف طاقته البشرية خلفه.
ولهذا، عندما ننظر اليوم إلى المرأة البحرينية وهي تتقدم في ميادين العلم والعمل والقيادة، علينا ألا ننظر فقط إلى المرأة التي وصلت إلى القمة، بل إلى الطريق الطويل الذي جرى تمهيده حتى أصبح الوصول ممكنًا.
فالإنجاز الحقيقي ليس أن تصنع امرأة استثنائية واحدة...
بل أن تصنع وطنًا يصبح فيه نجاح المرأة أمرًا طبيعيًا.
وهذا، ربما، هو أجمل ما تركه المجلس الأعلى للمرأة بقيادة الأميرة سبيكة في الوعي البحريني:
أن المرأة لم تعد تقف أمام بوابة المستقبل تنتظر أن يؤذن لها بالدخول...
لقد أصبحت واحدةً ممن يرسمون شكل ذلك المستقبل.