بقلم: د. أحمد شعبان


يشهد العالم اليوم ثورة غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد دوره مقتصراً على تنفيذ أوامر مبرمجة مسبقاً، بل أصبح قادراً على التعلم الذاتي، وتحليل البيانات، واتخاذ قرارات معقدة في مجالات متعددة، مثل الطب والقضاء والقيادة الذاتية والتجارة الإلكترونية.

هذا التطور المتسارع أثار تساؤلات قانونية عميقة حول الطبيعة القانونية للروبوتات والأنظمة الذكية، وفي مقدمتها: هل يمكن أن تكتسب هذه الكيانات «شخصية قانونية» مستقلة في المستقبل؟

من الناحية القانونية، تقوم الشخصية القانونية على القدرة على اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، وهو ما منحته التشريعات للأشخاص الطبيعيين، كما اعترفت به للأشخاص الاعتباريين كالشركات والمؤسسات والجمعيات.

إلا أن الروبوتات، مهما بلغت درجة تطورها، لا تزال تعامل قانوناً بوصفها أشياء أو أموالاً مملوكة لأشخاص طبيعيين أو اعتباريين، ولا تتمتع بأي استقلال قانوني يجعلها طرفاً في العلاقات القانونية.

غير أن التطور التقني دفع بعض الفقه القانوني إلى اقتراح فكرة «الشخصية الإلكترونية» أو «Electronic Personhood»، بحيث تمنح بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة مركزاً قانونياً خاصاً يسمح بتحديد مسؤوليتها عن الأضرار التي قد تنجم عن قراراتها المستقلة.

وقد ظهر هذا الاتجاه بصورة محدودة في بعض النقاشات الأوروبية، إلا أنه لم يتحول حتى الآن إلى قاعدة قانونية ملزمة، نظراً لما يثيره من إشكالات عملية وأخلاقية وقانونية.

فالاعتراف للروبوت بشخصية قانونية يطرح العديد من التساؤلات الجوهرية، من أهمها: كيف يمكن مساءلة كيان لا يملك إرادة بشرية أو ذمة مالية مستقلة؟

ومن يتحمل التعويض إذا تسبب نظام ذكي في وفاة شخص أو خسائر مالية جسيمة؟ وهل يجوز معاقبة الروبوت جنائياً، رغم افتقاده للإدراك الأخلاقي والقصد الجنائي؟

ولهذا السبب، تميل غالبية التشريعات الحديثة إلى تحميل المسؤولية القانونية للأشخاص المرتبطين بالروبوت، سواء كانوا المصنعين، أو المطورين، أو المبرمجين، أو المالكين، أو المشغلين، وذلك وفقاً لطبيعة الخطأ والسبب المباشر للضرر، مع تطبيق قواعد المسؤولية المدنية والجنائية التقليدية متى توافرت شروطها.

ومع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، قد تجد الأنظمة القانونية نفسها مستقبلاً أمام ضرورة إعادة النظر في بعض المفاهيم التقليدية للشخصية القانونية والمسؤولية، وربما استحداث نظام قانوني خاص للأنظمة الذكية ذات الاستقلالية العالية، دون أن يصل ذلك بالضرورة إلى مساواتها بالإنسان أو بالشخص الاعتباري.

وفي تقديري، فإن منح الروبوت شخصية قانونية كاملة لا يزال أمراً سابقاً لأوانه، لأن الشخصية القانونية ليست مجرد قدرة على اتخاذ القرار، وإنما ترتبط بالإرادة والوعي، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية.

ولذلك فإن الاتجاه الأكثر اتزاناً يتمثل في تطوير قواعد المسؤولية المدنية لتواكب مخاطر الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على المبدأ الأساسي بأن الإنسان يظل هو المسؤول النهائي عن التكنولوجيا التي يصنعها ويوجهها ويستفيد منها.

يساند هذا الاتجاه أيضاً أن الاعتراف بالشخصية القانونية للروبوت لا ينبغي أن يكون استجابة للتطور التقني وحده، وإنما يجب أن يسبقه وجود إطار تشريعي متكامل يحدد بدقة شروط اكتساب هذه الشخصية – إن أقرت مستقبلاً – وحدودها وآثارها القانونية.

فمن غير المقبول أن تمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي حقوقاً أو التزامات دون وجود قواعد واضحة تنظم ذمتها المالية، وآليات تمثيلها القانوني، وحدود مسؤوليتها، وطرق تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها.

ولهذا بدأت بعض الجهات التشريعية والهيئات الدولية في دراسة إنشاء أنظمة قانونية خاصة بالذكاء الاصطناعي تقوم على مبادئ الشفافية، وقابلية تفسير القرارات، والرقابة البشرية، وإدارة المخاطر، بما يضمن عدم تحول التطور التقني إلى مصدر لفراغ تشريعي أو تهديد للحقوق والحريات.

ومن ثم، فإن المستقبل قد لا يشهد منح الروبوت شخصية قانونية بالمعنى التقليدي، بقدر ما قد يشهد ظهور نظام قانوني جديد يجمع بين قواعد المسؤولية التقليدية والتنظيم التشريعي الخاص بالذكاء الاصطناعي، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وتشجيع الابتكار التقني.

ويبقى الذكاء الاصطناعي أداة متطورة تخدم الإنسان، لا بديلاً عنه، ويظل القانون مطالباً بمواكبة هذا التطور عبر تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق، بما يضمن عدالة قانونية تواكب المستقبل دون التفريط في المبادئ القانونية الراسخة.