زينب زين الدين


تكشف مسيرة المرأة البحرينية خلال العقود الأخيرة عن تحول وطني متكامل أعاد صياغة موقعها في عملية التنمية، ورسّخ حضورها شريكاً أصيلاً في بناء الدولة وصناعة المستقبل. وفي قلب هذا التحول يبرز المجلس الأعلى للمرأة بوصفه إحدى أبرز ثمار المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، ومؤسسة وطنية أحدثت نقلة نوعية في تاريخ المرأة البحرينية.

وقد جاء تأسيس المجلس ترجمةً للإرادة الملكية الداعمة للمرأة في صورة عمل مؤسسي منظم، ونقل ملف تقدمها من المبادرات المتفرقة إلى رؤية وطنية استراتيجية بعيدة المدى. ومن هنا تبرز خصوصية التجربة البحرينية التي أرست مكانة المرأة شريكاً رئيسياً في صنع التنمية والمحافظة على مكتسباتها.

وشكّلت رئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة جلالة الملك المعظم، للمجلس الأعلى للمرأة ضمانة قوية لنجاح هذه المسيرة واستدامتها. فقد قامت قيادة سموها للمجلس على رؤية واضحة تراعي طبيعة المجتمع البحريني واحتياجات المرأة ومتطلبات التنمية، وتجمع بين المحافظة على المكتسبات والتطلع الدائم إلى تحقيق المزيد. وارتبطت النجاحات التي حققتها المرأة البحرينية خلال السنوات الماضية بالدور المؤسسي للمجلس، وما وفرته قيادته من متابعة وتخطيط وشراكات فاعلة مع مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.

ويتميز المجلس الأعلى للمرأة بتبنيه نظرة استراتيجية تستشرف المستقبل وتواكب تغيراته. فالعالم يشهد تحولات متسارعة في الاقتصاد وسوق العمل والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والوظائف الجديدة، وهو ما يجعل تقدم المرأة في المرحلة المقبلة مرتبطاً بأدوات حديثة تتناسب مع هذه التحولات. وأصبح التركيز اليوم يتجه إلى جودة مشاركة المرأة واستدامتها وقدرتها على المنافسة والقيادة في قطاعات المستقبل.

وأسهم وجود المجلس الأعلى للمرأة، إلى جانب الدعم الرسمي والمجتمعي المتواصل، في تحقيق المرأة البحرينية إنجازات غير مسبوقة، وتعزيز حضورها في مواقع صنع القرار والعمل التشريعي والقضاء والدبلوماسية والقطاعين الحكومي والخاص، إضافة إلى التعليم والصحة والاقتصاد وريادة الأعمال وغيرها من المجالات. وأصبح وصول المرأة إلى مواقع المسؤولية جزءاً طبيعياً من المشهد البحريني، بما يعكس تحولاً مجتمعياً ومؤسسياً عميقاً.

وتتجلى أهمية التجربة البحرينية أيضاً في بناء بيئة أكثر قدرة على دعم المرأة في أدوارها المختلفة، وتحقيق التوازن بين تقدمها المهني ومسؤولياتها الأسرية والاجتماعية. ويقدم النموذج البحريني تقدم المرأة في إطار من التكامل المجتمعي، بحيث يشكل إنجازها قوةً للأسرة والمجتمع والاقتصاد الوطني.

وتتضاعف أهمية الدور الذي يقوم به المجلس اليوم في ظل الظروف العصيبة والتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تمر بها المنطقة، إلى جانب المتغيرات الدولية المتلاحقة. وتفرض هذه المراحل مسؤولية مزدوجة تتمثل في تحقيق مكتسبات جديدة، وحماية ما تحقق، وضمان استمرار مسيرة المرأة في مختلف الظروف. وقد أثبت المجلس قدرته على التكيف مع المتغيرات، وتحديد الأولويات، وتوجيه طاقات المرأة البحرينية نحو المسارات التي تعزز استقرارها وتقدمها، مع المحافظة على خصوصية المجتمع البحريني وقيمه وثوابته.

وتكمن إحدى أهم نقاط قوة المجلس في إسهامه ببناء نموذج بحريني لتقدم المرأة، يستفيد من التجارب الدولية وينفتح على المتغيرات العالمية، وينطلق في الوقت نفسه من احتياجات البحرين وخصوصية مجتمعها. وقد منح هذا التوازن التجربة البحرينية قدراً كبيراً من الاستقرار والاستمرارية.

كما يعكس تطور عمل المجلس انتقالاً مهماً من مفهوم تمكين المرأة إلى مفهوم أكثر تقدماً يتمثل في استدامة تقدمها. ويرتبط التمكين بفتح الأبواب وتوفير الفرص، فيما تقوم الاستدامة على تحويل تلك الفرص والمكتسبات إلى واقع مؤسسي راسخ، تصبح فيه مشاركة المرأة جزءاً أصيلاً من منظومة التنمية، وتحظى بالثبات في مختلف الظروف والمراحل.

وبعد 25 عاماً من العمل، أصبح المجلس الأعلى للمرأة جزءاً أساسياً من مسيرة الدولة البحرينية الحديثة. وقد انطلقت هذه المسيرة بإرادة إصلاحية ملكية آمنت بدور المرأة، وترسخت بقيادة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، وتحولت عبر المجلس إلى منظومة وطنية متكاملة فتحت أمام المرأة البحرينية آفاقاً أوسع للمشاركة والإنجاز.

إن المجلس الأعلى للمرأة مثل نقلة نوعية في تاريخ المرأة البحرينية، بفضل إسهامه في بناء منظومة متكاملة تدعم وصولها إلى المواقع المتقدمة، وتحمي مكتسباتها، وتستشرف مستقبلها، وتوجه طاقاتها نحو ما يخدمها ويخدم أسرتها ووطنها. وفي عالم سريع التغير ومنطقة تواجه تحديات متلاحقة، تزداد أهمية هذا الدور، ليبقى المجلس ضمانة مؤسسية لاستدامة تقدم المرأة البحرينية، وتجسيداً لرؤية وطنية تؤمن بأن الاستثمار في المرأة استثمار في استقرار الأسرة وقوة المجتمع وازدهار البحرين ومستقبلها.